الثلاثاء، 5 فبراير 2013

ما هى اسطورة مارى الدموية

خلال السنوات القليلة المنصرمة كتبنا العديد من قصص الأشباح، وغالبا ما كان القراء يتساءلون في نهاية كل قصة عن حقيقية وجود الأشباح، ثم يحتدم بينهم الجدل، ما بين مؤمن ورافض لوجودها، وما بين من يقول بأنها نوع من أنواع الجن أو القرين.
غير أن قصتنا لهذا اليوم تختلف عن جميع ما كتبناه ورويناه، فشبحنا لهذا اليوم متاح للجميع وسهل التحضير!، يمكن لأي شخص في العالم أن يتأكد من وجوده ويتواصل معه بسهولة .. نعم عزيزي القارئ .. أنت أيضا تستطيع تحضيره، فهو يعمل بدوام كامل على مدار الساعة ويلبي النداء أسرع من الهاتف النقال.
كل ما تحتاجه للتواصل مع هذا الشبح "العمومي" يتلخص في شمعة .. ومرآة من الحجم الكبير .. يفضل أن تكون مرآة حمام، لكن إذا كان حمامكم من دون مرآة كبيرة فلا بأس في استعمال أية مرآة في المنزل.
وإذا لم تكن تمتلك الشجاعة الكافية للقيام بالأمر لوحدك فلا بأس من القيام بذلك برفقة بعض أصدقاءك.


الأمر في غاية البساطة .. قف مباشرة أمام المرآة ثم أشعل الشمعة وضعها إلى جانبك. والآن قم بإطفاء جميع الأنوار .. حدق جيدا نحو صورتك المنعكسة في المرآة ثم ردد مع نفسك بصوت مسموع .. بلّادي ميري (Bloody mary) .. رددها بهدوء وثبات وبدون تعجل .. كرر الأمر ثلاثة عشر مرة .. وعند المرة الأخيرة أضف عبارة .. "لقد قمت بقتل طفلكِ".
طيب ماذا سيحدث الآن؟ ..
هناك احتمالين ..
الأول أنه لن يحدث أي شيء .. وهذا في الحقيقة هو أفضل ما يمكن أن يحدث.
ماري الدموية تعشق أقتلاع العيون
أما الاحتمال الثاني فهو ظهور الشبح فعلا داخل المرآة .. سترى في البداية ضبابا أخضر خفيف سرعان ما ينجلي عن وجه كالح شرير .. أنها ماري الدموية .. لقد لبت ندائك .. شبيك لبيك ..
عليك الآن أن تتمالك نفسك .. لا تدع الرعب يجمد أوصالك .. أهرب كالغزال .. قبل أن تمتد مخالبها الحادة نحوك لتقتلع عينيك من محجريهما بلمح البصر، أو قد تنحرك كالخروف ثم تمتص دمك حتى آخر قطرة، وفي أحسن الأحوال ستقوم بسحبك معها إلى داخل المرآة ولن يراك أحد بعهدها، ستبقى حبيسا معها إلى الأبد.
هل هذه حقيقة أم مجرد خرافة؟ .. لا ادري .. لماذا لا تجرب بنفسك وتخبرنا بالنتيجة.

من هي ماري الدموية؟

التواصل مع ماري واستدعائها أمر بسيط وسهل كما شرحنا أنفا، لكن على العكس من ذلك فأن معرفة هويتها الحقيقية هو أمر في غاية الصعوبة، فهناك العديد من القصص التي تدور حول المرأة الكامنة وراء شخصية ماري الدموية، والتي تعرف أيضا بأسم ماري روث، لكن في زحمة تلك القصص ضاعت الحقيقة و أندرس أثرها تماما. أقدم تلك القصص تعود بنا إلى الوراء عدة قرون، إلى ساحرة شمطاء تدعى ماري كانت تعيش بمفردها في كوخ صغير يقع داخل غابة كبيرة موحشة تمتد بالقرب من إحدى القرى الريفية الوادعة. كانت عجوزا طاعنة في السن تملئ التجاعيد وجهها وقد انحنى ظهرها وتقوس تحت وطأة السنين، لكنها كانت نشطة جدا قياسا بمظهرها العجوز، كانت تسير بسرعة وخفة عجيبة تحت ظلال الغابة الكثيفة وهي ترتدي ثوبا أسود طويل، ما كانت العين لتميزها بسهولة لولا عيناها الكبيرتان اللتان كانتا تبرقان خبثا ولؤما.
لا احد يعلم ماذا كانت تفعل في كوخها
لا أحد يعلم ماذا كانت الساحرة العجوز تفعل بمفردها داخل كوخها المنعزل، الناس ظنوا بأنها مشغولة في تحضير بعض الوصفات السحرية، فالروائح الغريبة كانت تنبعث عن كوخها باستمرار ولم تكن مدخنتها تتوقف أبدا عن نفث الدخان. وبالرغم من خوف القرويون منها إلا أنهم كانوا يقصدون كوخها من حين لآخر لمقايضة حبوبهم وحيواناتهم بالأعشاب والعقاقير التي كانت الساحرة تصنعها، وباستثناء تلك المرات القليلة فأن القرويون عموما كانوا يتجنبون المرور بكوخها. كانوا يخشون أن تصيبهم منها لعنة شريرة تدمر محاصيلهم وتقتل حيواناتهم وتؤدي إلى مرض أطفالهم. كانوا يفضلون أن تبقى الساحرة بعيدة عن قريتهم الجميلة المسالمة.
لكن هدوء وسلام القرية تعكر في أحد الأيام بعد اختفاء فتاة صغيرة من كوخ والديها، استيقظوا صباحا ولم يجدوها في فراشها، وباءت بالفشل جميع الجهود للعثور عليها. وليت الأمر انتهى عند هذا الحد، فخلال الأسابيع القليلة التالية اختفت فتيات أخريات بنفس الطرز الغامض. ومن شدة لهفة الأهالي على بناتهم تجرأ بعضهم على الذهاب إلى الغابة ودق باب كوخ الساحرة العجوز لسؤالها عن مصير الفتيات المفقودات. لكن الساحرة قالت بأنها لم تر أي من الفتيات وأنكرت أي علاقة لها باختفائهن.
وبالرغم من أن الأهالي كانوا يرتابون في الساحرة لكنهم لم يستطيعوا اتهامها من دون دليل، بيد أن شكوكهم زادت بعدما لاحظوا التغير المدهش الذي طرأ على شكل الساحرة وهيئتها، فقد أصبحت أكثر نضارة وشبابا عن ذي قبل كأن السنين قد عادت بها إلى الوراء.
مسلسل اختفاء الفتيات أستمر يقض مضاجع القرويين ويثير الرعب في نفوسهن إلى درجة أن بعض الإباء راحوا يقيدون بناتهم ليلا لئلا يختفين تحت جنح الظلام. وأستمر الحال على هذا المنوال حتى حلت تلك الليلة المرعبة التي انكشف فيها الغموض وتجلت فيها الحقيقة. حدث ذلك في إحدى الليالي المقمرة. جميع السكان كانوا يغطون في نوم عميق في تلك الليلة باستثناء زوجة احد القرويين التي منعها وجع أضراسها من النوم فجلست تحاول تسكين ألمها ببعض الأعشاب الطبية، وبينما هي في تلك الحال إذ شاهدت ابنتها الصغيرة وهي تنهض من فراشها فجأة ثم تمضي نحو باب الكوخ فتفتحه وتسير مبتعدة باتجاه الغابة المظلمة. الأم المرعوبة صرخت على ابنتها ونادتها عدة مرات، لكن الفتاة لم تلتفت إليها واستمرت بالسير نحو الغابة.
صراخ الأم أيقظ الأب والجيران الذين هرعوا جميعا لردع الفتاة عن المضي نحو الغابة. العجيب أنه بالرغم من صغر سن الفتاة وهزال جسدها إلا أن الرجال واجهوا صعوبة كبيرة في السيطرة عليها وإخضاعها، إذ بدت وكأنها تسير من دون وعي وإدراك، كأنها منومة أو مخدرة، شخص ما كان يسيطر على عقلها ويدفعها للسير في اتجاه واحد لا تحيد عنه.
في هذه الأثناء صرخ أحد القرويين فجأة وأشار بيده نحو الغابة، فألتفت الجميع نحو الجهة التي أشار إليها الرجل ليشاهدوا الساحرة العجوز وهي تقف بالقرب من جذع شجرة جوز ضخمة عند أطراف الغابة، كان جسدها محاطا بهالة خضراء عجيبة، وكانت تتمايل جيئة وذهابا وهي تردد تعاويذها السحرية وقد أمسكت بيدها عصا طويلة أشارت بطرفها نحو كوخ الفتاة الصغيرة التي كان القرويون يحاولون الإمساك بها.
القرويون صرخوا على الساحرة وطاردوها فهربت حين أحست باقترابهم منها، وما أن فرت الساحرة من مكانها حتى استعادت الفتاة الصغيرة وعيها كأنها استيقظت من النوم للتو. فأيقن القرويون بأن ما أصاب الفتاة كان بفعل الساحرة، وتأكدوا بأنها هي التي قامت بخطف بناتهم، وفي سورة غضبهم العارمة هجموا على كوخها المخيف في الغابة، في الداخل كانت هناك قدور كبيرة تغلي بمواد غريبة، وعلى الطاولات تناثرت أشلاء الكثير من الحيوانات .. قطط ..كلاب .. ضفادع .. وكانت هناك الكثير من الأواني الزجاجية المليئة بالسوائل الملونة وأوراق وجذور الأعشاب والنباتات البرية. أما القبو أسفل الكوخ فقد كان الأكثر رعبا، فجدرانه كانت مضرجة بالدماء وفي زواياه المظلمة تكومت بعض الجماجم والعظام بشرية، وتحت أرضيته الخشبية عثر القرويون على جثث فتياتهم المفقودات. تبين لهم بأن الساحرة قامت بقتلهن من أجل استخدام دمائهن في تحضير وصفات سحرية تعيد إليها حيويتها وشبابها.

الأهالي الغاضبين ألقوا القبض على الساحرة وحملوها معهم نحو القرية حيث شيدوا محرقة كبيرة قيدوا الساحرة إلى عمود طويل في وسطها وأشعلوا النار في الحطب. وما أن ارتفعت ألسنة اللهب حتى راحت الساحرة العجوز تتمتم بكلمات غير مفهومة ولاحظ القرويون ظهور أشباح سوداء مخيفة راحت تحوم وتزعق بجنون فوق رأس الساحرة التي استمرت في ترديد تعاويذها الغامضة حتى اقتربت النار منها وتعلقت بأذيالها، عندها نظرت الساحرة إلى القرويين بعيون يتطاير منها الشرر ثم ألقت عليهم لعنتها الأخيرة، وهي لعنة سوداء أطلق القرويون عليها أسم "انتقام الساحرة"، وبحسب تلك اللعنة فأن أية فتاة تجرؤ على ترديد أسم الساحرة أمام المرآة ستتعرض لعقاب مروع على يد روح شريرة سخرتها الساحرة من أجل الانتقام لمقتلها. ومنذ ذلك الحين ظهرت لعنة ماري الدموية إلى الوجود.
هذه القصة تعد من أشهر القصص التي تناولت الشخصية الأصلية لماري الدموية، وقد ساهمت كثيرا في شهرة الخرافة حين نشرتها كاتبة أمريكية ضمن مجموعة من القصص عام 1978، لكنها لم تكن الوحيدة، فهناك قصص أخرى .. أحداها تزعم بأن ماري كانت في واقع الأمر فتاة ارستقراطية حسناء تعيش في قصر كبير مع والديها الثريين والكثير من الحشم والخدم. كانت قاسية ومتعجرفة وشديدة الغرور بجمالها، تمضي الساعات الطوال وهي تقف أمام المرآة تتمعن في تناسق وروعة وجهها وقوامها.
لم تتحمل رؤية وجهها المشوه في المرآة
لكن تشاء الأقدار أن تتعرض ماري لحادث مروع يؤدي إلى تشوه وجهها المليح. ولشدة خوفهم وإشفاقهم عليها أخفى والديها جميع المرايا الموجودة في القصر لكي لا تستطيع ماري رؤية وجهها المشوه في المرآة فتصدم وتفقد رشدها. لكن ماري لم تستطع مقاومة إغراء النظر إلى وجهها طويلا، فتسللت في إحدى الليالي إلى حمام يقع في أحد أجنحة القصر المتروكة حيث كانت هناك مرآة كبيرة نسي أهلها أن يرفعوها، هناك شاهدت ماري ما أصاب وجهها الجميل من خراب ودمار، ولشدة حزنها وصدمتها فقد سقطت ميتة، ويقال بأن روحها الحزينة قفزت إلى داخل المرآة لتبحث عن صورتها القديمة الجميلة، ومنذ ذلك الحين أخذت تظهر في كل مرة يجرؤ شخص ما على نطق أسمها أمام المرآة، تظهر لكي تنتزع روحه وتسحبها معها إلى داخل المرآة.
هناك قصة ثالثة تزعم بأن الفتاة التي تحولت لاحقا إلى ماري الدموية كانت تعيش في بلدة جاكسون الأمريكية قبل أكثر من مئة عام، أسمها الحقيقي هو ماري روث. كانت فتاة جميلة وذكية تعثرت في أحد الأيام بينما كانت تهبط السلم مسرعة من غرفتها في الطابق العلوي فأصيب رأسها إصابة بالغة دخلت على أثرها في غيبوبة عميقة. ولأن الطب في ذلك الزمان لم يكن متطورا كما هو اليوم، ولم يكن لدى الأطباء الدراية الكافية التي تمكنهم من التفريق بين الموت والغيبوبة الطويلة (Coma ) ، لذلك أخطئوا في تشخيص حالة ماري وظنوا بأنها ميتة فقامت عائلتها بدفنها وهي حية.

وخلال الأيام التالية لدفنها أخذت ماري تظهر في أحلام أمها، تصرخ وتتوسل لكي يخرجوها من القبر. لكن أحدا لم يأخذ تلك الأحلام على محمل الجد وظن الجميع بأن الأم تهذي وتهلوس بسبب حزنها العميق على خسارة ابنتها. لكن تكرار الحلم في كل ليلة جعل الأم تصر على نبش قبر أبنتها للتأكد من حقيقة موتها، وتحت هذا الإصرار تم فتح القبر. وقد صدم الجميع لما شاهدوه في الداخل، كانت هناك شقوق وثقوب على سطح الغطاء الخشبي للتابوت، ومن تلك الثقوب ظهرت أصابع ماري الصغيرة وقد تخضبت بالدماء وتكسرت أظافرها. فالبنت المسكينة استعادت وعيها بعد أن دفنوها بفترة قصيرة لتجد نفسها حبيسة التابوت، فحاولت بكل قواها أن تكسر الغطاء الخشبي لكي تخرج لكنها لم تفلح في فتحه وظلت حبيسة القبر لعدة ليال حتى ماتت أخيرا من الرعب والعطش والجوع. ويقال بأن أي شخص ينادي بأسم تلك الفتاة أمام المرآة ما بين 3 إلى 100 مرة فأنها ستظهر لتنفث غضبها عليه، سيراها على شكل فتاة غاضبة وممزقة الثياب تنزل سلما عاليا وهي تمسك بسكينة كبيرة في يدها، ستنزل على مهل لتحز عنق الشخص الذي طلبها، والطريقة الوحيدة للنجاة منها هي بإطفاء الشموع بسرعة لكي يغرق المكان بالظلام فلا تتمكن الفتاة من رؤية ضحيتها.

تجارب واقعية

خلال بحثي عن مصادر لهذا المقال وقعت على العديد من القصص التي يزعم أصحابها بأنهم مروا بتجارب مروعة مع شبح ماري الدموية، فقررت أن أقدم لكم عينتين من تلك التجارب.
القصة الأولى هي لفتاة تدعى سوزي .. والتي تقول عن تجربتها ما يلي :


حين كنت في التاسعة من عمري ذهبت إلى حفلة عيد ميلاد لإحدى صديقاتي في المدرسة. كنا حوالي عشرة فتيات حضرنا إلى تلك الحفلة التي أقامها والدا صديقتي لأبنتهم. وبعد أن لعبنا وتناولنا الطعام صعدنا جميعا لرؤية حجرة صديقي. كانت الساعة قد قاربت العاشرة ليلا حين جلسنا جميعنا في حجرتها الجميلة ورحنا نقص على بعضنا قصص الأشباح والبيوت المسكونة، ثم اقترحت إحدى الفتيات أن نلعب لعبة ماري ورث، وهي فتاة ماتت منذ زمن بعيد ويقال بأن روحها بقيت حبيسة المرآة. وهكذا فقد قمنا بإطفاء جميع الأنوار في الحجرة ثم تجمعنا حول مرآة كبيرة ورحنا نردد معا : "ماري ورث .. ماري ورث .. أنا أؤمن بكِ يا ماري ورث".
رددنا هذه العبارة عدة مرات، وعند المرة السابعة أرتفع فجأة صراخ إحدى الفتيات التي كانت تقف في المقدمة، أخذت تصرخ وتبكي بشكل هستيري وتحاول دفعنا إلى الوراء، كان صراخها عاليا ومخيفا إلى درجة أن والدة صديقتي هرعت إلى الحجرة التي كنا فيها وأشعلت جميع الأنوار بسرعة. كنا جميعا نرتجف من الخوف، وعلى الأرض أمام المرآة مباشرة تكومت الفتاة التي كانت تصرخ، سألتها والدة صديقتي عن سبب صراخها، لكن الفتاة لم تجب وظلت ممددة على الأرض من دون حراك، فرفعتها والدة صديقتي عن الأرض لترى ما بها، وما أن فعلت ذلك حتى صرخنا جميعنا من الرعب، كان الدم يغطي وجهها، وكانت هناك جروح غائرة على جبهتها ووجنتيها ورقبتها، كأن أحدا ما حاول تمزيق وجهها بأظافره .. كان ذلك منظرا مرعبا لن أنساه ما حييت.
القصة الثانية يرويها رجل في الأربعين من عمره يدعى مارك .. يقول :
قبل سنوات طويلة، حين كنت مراهقا في الثالثة أو الرابعة عشر من عمري، كان لدي صديق في مثل سني يدعى جو، كان منزلهم يقع قبالة منزلنا تماما، كنا صديقين مقربين نلازم بعضنا طوال اليوم ولا نفترق إلا من أجل النوم أو الذهاب إلى المدرسة. وفي إحدى الليالي حدثني جو عن خرافة سمعها من زملائه في المدرسة عن شبح امرأة تظهر في المرآة، قال بأنها تدعى ماري الدموية. وكما هو الحال مع معظم المراهقين فقد تباهينا أنا وجو كذبا بعدم الخوف من ماري الدموية، حتى أن جو قال ضاحكا بأنه سيبصق عليها لو ظهرت في مرآته. ثم أقترح علي أن نذهب إلى منزلهم لنقوم بتحضير شبحها في حمامهم الذي توجد فيه مرآة كبيرة.
وبالرغم من إدعائي الشجاعة أمام جو، إلا أني بصراحة كنت أرتعد خوفا من الداخل، فحاولت التملص من دعوته متحججا بأن الأشباح لا تظهر أمام أكثر من شخص واحد، واقترحت عليه أن يقوم كل منا بتحضيرها بمفرده. وهكذا تعاهدنا تلك الليلة على أن يقوم كل منا بتحضير الشبح على حدة في حمام منزله.
ولا أخفيكم سرا بأني شعرت برعب شديد منعني من القيام بما عاهدت صديقي جو عليه، بل لم أجرؤ على دخول الحمام أصلا في تلك الليلة من شدة خوفي، وبقيت أتقلب على فراشي حتى ساعة متأخرة من الليل، كلما أغمضت عيني كنت أتخيل ماري الدموية وهي تقف بجوار سريري تحمل بيدها سكينا كبيرا تحاول ذبحي بواسطته، فكنت أنتفض مذعورا وأنا أرتجف.

وبينما أنا أكابد ما أكابده من الرعب والهلع في حجرتي الصغيرة، إذا بصرخة مدوية تمزق سكون الليل، كان الصوت قادما من منزل صديقي جو فنزلت لأرى ما يحدث. كان أبي وأمي وأخوتي والكثير من الجيران قد سبقوني إلى الشارع، كانوا يقفون في فناء منزل جو، تعجبت لرؤية والدتي تبكي مع بعض النسوة، فيما راح الرجال يهزون رؤوسهم أسفا. وحين سألت أحد المجتمعين عن ما يجري أجابني بنبرة حزينة : لقد مات جو.
كان ذلك أفظع رد سمعته في حياتي، لازال يدوي في أذني إلى اليوم، لكنه لم يكن سوى مقدمة للرعب الحقيقي الذي سأسمعه لاحقا. فقد علمت بأن جو عاد إلى منزله بعد أن افترقنا تلك الليلة فأخذ شمعة وتوجه بها إلى الحمام عند حوالي منتصف الليل، وبعد فترة قصيرة سمع أهله صراخه وهو يطلب المساعدة من داخل الحمام، لكنهم لم يستطيعوا الوصول إليه لأن باب الحمام كان مقفلا من الداخل، وبعد عدة محاولات تمكن أبوه من كسر باب الحمام، في الداخل كان جو ممددا على الأرض بلا حراك، كان مذبوحا من الوريد إلى الوريد ودماءه تغطي أرضية الحمام، أما رأسه المقطوع فكان يقبع في المغسلة تحت مرآة الحمام مباشرة، والى جواره كانت هناك شمعة ما تزال مشتعلة.
موت جو ظل لغزا محيرا بالنسبة للجميع، الشرطة قيدت القضية ضد مجهول، أما الناس فقد ظنوا بأنه انتحر، لكن أنا وحدي كنت أعرف حقيقة ما جرى في تلك الليلة المشئومة، وهو سر ما زال يؤرقني ويقض مضجعي بعد كل تلك السنين.

ماري الدموية تاريخيا

ماري الأولى .. الدموية .. ملكة انجلترا
بعيدا عن الخرافات والأساطير يخبرنا التاريخ بأن المرأة الوحيدة التي عرفت واشتهرت بأسم "ماري الدموية" Bloody Maryهي ماري تيودور ابنة الملك هنري الثامن وزوجته الأولى كاترين الأرجوانية. ولدت عام 1514 واعتلت العرش عام 1553 تحت أسم الملكة ماري الأولى (Mary I of England ) وذلك بعد موت شقيقها الأصغر الملك ادوارد السادس.
حياة الملكة ماري لم تكن سعيدة، فقد عانت كثيرا في طفولتها وشبابها. عانت وهي ترى سعي والدها الحثيث لإبطال زواجه من أمها، وعانت لرؤية أمها وهي تصارع بكل ما أوتيت من قوة للحفاظ على كرامتها كملكة قبل أن يتم إرسالها إلى قلعة كمبلتون الموحشة لتموت هناك وحيدة بينما كان زوجها الملك هنري يحتفل بزواجه من عشيقته آن بولين.
ماري عانت لسنوات طويلة من جفاء والدها الملك الذي حرمها من وراثة العرش، وعانت أيضا بسبب إيمانها الكاثوليكي الذي أصبح بين ليلة وضحاها مذموما منبوذا من قبل الملك والبلاط والدولة، وعانت أكثر في الحفاظ على إيمانها بالرغم من كل الضغوطات التي مورست عليها من قبل والدها وشقيقها لحملها على التحول إلى البروتستانتية.
حتى في زواجها لم تكن ماري سعيدة، أحبت زوجها الملك فيليب الأسباني بكل جوارحها فيما لم يكن هو سوى طامع في عرشها، وتلهفت لإنجاب وريث للعرش منه إلى درجة أنها تحولت إلى مثار سخرية وتندر الناس بعد أن انتفخت بطنها عدة مرات ثم تبين لاحقا بأنه مجرد حمل كاذب. وأخيرا عانت على فراش الموت وهي ترى عرشها يذهب رغما عن أنفها إلى أختها الغير شقيقة إليزابيث البروتستانتية التي عرفت لاحقا بأسم الملكة إليزابيث الأولى وكانت واحدة من أعظم الذين اعتلوا العرش الانجليزي.
هذه هي حياة ماري الأولى ملكة انجلترا ... من قال أن حياة الملوك سعيدة؟!.
ماري الأولى .. ملكة اسكتلندا
لكن الملكة ماري الأولى لم تكن ملاكا بالرغم من معاناتها والظلم الذي وقع عليها، فقد تسببت هي أيضا بمعاناة وموت الكثير من الناس بسبب تعصبها الديني وسعيها المحموم لإعادة شعبها إلى جادة الكاثوليكية وطاعة بابا روما، فنصبت المحارق والمشانق للبروتستانت في أرجاء البلاد، سجنت وعذبت وشنقت وأحرقت المئات منهم خلال عهدها القصير الذي أمتد لخمسة أعوام فقط، لم يسلم منها حتى النبلاء ورجال الدين، ولهذا أطلق الناس عليها أسم ماري الدموية. ولهذا السبب أيضا يحاول البعض أن يربطوا بينها وبين خرافة ماري الدموية.
الجدير بالذكر أنه هناك ملكة أخرى تدعى ماري حاول الناس ربطها بالخرافة أيضا، وهي ماري ستيوارت التي تعرف بأسم ماري الأولى ملكة الاسكتلنديين (Mary, Queen of Scots )، والتي اعتلت العرش الاسكتلندي لفترة قصيرة خلال القرن السادس عشر، ولم تكن تقل تعاسة عن قريبتها ماري الانجليزية، وانتهت حياتها بحد السيف في عام 1587 في عهد الملكة إليزابيث الأولى.
 وتتحدث رواية "بيت الأشباح" للدكتور أحمد خالد توفيق عن تلك الأسطورة ، حيث نورد نصاً من الرواية : " تعترف الفتاة لرفعت أنها مارست تلك اللعبة و إن غيرت بعضًا من تفاصيلها حيث وقفت بشمعة و مرآة يد صغيرة أسفل سلالم الفيلا فى الظلام مولية لها ظهرها، و أخذت تصعد السلالم بهذه الطريقة التى قد تنتهى بسقطة تتكسر معها العظام.. و الهدف من هذه اللعبة أن ترى وجه عريس المستقبل فى لحظة بعينها عبر المرآة.. و كان ما رأته بالفعل هو وجه.. لكنه من المستحيل أن يكون عريس المستقبل بذلك الوجه المنتفخ المشوه الملىء بالبقع الزرقاء و الخضراء.. و كانت تلك هى البداية.. حيث تكررت رؤية هذا الوجه، و بدأت الأشياء و الأغراض تتحرك فى غرفتها، ناهيك عن صوت الطرقات التى تعلو فى غرفتها..".

أصل الخرافة  .. سحر المرايا

بحسب الباحثين والمختصين بالتراث والفلكلور فأن خرافة ماري الدموية هي من الخرافات الحديثة التي لم تظهر إلى الوجود إلا خلال العقود القليلة المتأخرة، ربما في ستينات القرن المنصرم، وبلغت ذروة شعبيتها خلال السبعينات، أما قبل ذلك فلا يوجد أي ذكر للخرافة، ولا يوجد أيضا ما يؤكد حقيقة القصص التي تربط ما بين نشأة الخرافة وبين ساحرة تدعى ماري أو فتاة تدعى ماري روث، وليس هناك صلة واضحة بين الخرافة وماري الأولى ملكة انجلترا. غير أن حداثة الخرافة لا تعني عدم ارتباطها بأحداث وقصص وخرافات موغلة في القدم تتشابه في بعض جزئياتها مع خرافة ماري الدموية. فلنأخذ مثلا سيرة حياة الكونتيسة إليزابيث باثوري (Elizabeth Bathory ) تلك الأرستقراطية الحسناء التي كانت تقضي ساعات طويلة كل يوم أمام مرآتها تحدق بزهو وخيلاء إلى جمال وروعة صورتها. ثم فجأة تحول ذلك الجلوس أمام المرآة إلى كابوس مزعج حين جاوزت سن الأربعين، أفزعها حقيقة تقدمها في العمر، وأرعبتها التجاعيد التي بدأت تغزو وجهها الجميل. ومن أجل التغلب على تلك التجاعيد والخطوط اللعينة بدأت الكونتيسة المجنونة باستدراج الفتيات الشابات إلى قلعتها لكي تقتلهن وتستحم بدمائهن. فقد آمنت بأن الدم سيعيد إليها شبابها وأجهزت في سبيل ذلك على أكثر من ستمائة فتاة. ويقال بأن روح الكونتيسة ظلت حبيسة المرآة بعد موتها، واستمرت في قتل الفتيات والاستحمام بدمائهن، لكن هذه المرة تحت أسم ماري الدموية.
المرآة الباكية .. تبحث عن ارواح اطفالها ..
في الفلكلور المكسيكي نجد خرافة النائحة أو المرأة الباكية (La Llorona ) التي تروي قصة امرأة متزوجة أسمها ماريا أقدمت على قتل أطفالها الصغار عن طريق إغراقهم في النهر وذلك من أجل أن تفر مع عشيقها، لكن عشيقها هجرها بعد أن أشمئز من فعلتها الحقيرة. مما دفع ماريا إلى الانتحار. وبحسب الأسطورة فأن روح ماريا منعت من دخول ملكوت السماء ما لم تجلب معها أرواح أطفالها الذين قتلتهم، ومنذ ذلك الحين أخذت روحها الشقية تدور في أرجاء الأرض بحثا عن أطفالها وهي تبكي وتولول قائلة : "أوووه .. أطفالي!". ويقال بأنها لا تتورع عن خطف أرواح الأطفال المشردين وأولئك الذين لا يطيعون والديهم خلال تجوالها بحثا عن أطفالها، وبأن الذين يسمعون صوتها ونحيبها يموتون بعد فترة قصيرة. ويرى بعض الباحثين بأن ماريا هي نفسها ماري الدموية، وبأن إضافة عبارات من قبيل "أن أطفالك معي" أو "لقد قمت بقتل أطفالك" إلى طقوس تحضير شبح ماري الدموية تهدف إلى تحفيز شبح ماريا على الظهور في المرآة.
يمكننا أيضا تعقب آثار خرافة ماري الدموية في الأدب الأوربي، فنذكر على سبيل المثال المرآة السحرية التي استعملتها زوجة الأب الشريرة في قصة بياض الثلج والأقزام السبعة، وهي قصة قديمة من التراث الألماني. ونذكر أيضا المرآة في رواية "دراكولا" للكاتب برام ستوكر، فالبطل لم يكتشف حقيقة الكونت إلا بعد أن وقف معه أمام المرآة فعجز عن رؤية انعكاس صورته فيها بالرغم من أنه يقف إلى جواره. لأن صورة مصاص الدماء لا تظهر في المرآة، فهو في النهاية شخص ميت، ولهذا تعجز المرآة عن رؤيته.
سترين وجه زوجك المستقبلي في المرآة!
في الفلكلور والمعتقدات الشعبية هناك خرافة أوربية يمكن أن نعتبرها الأقرب إلى خرافة ماري الدموية، وقد راجت تلك الخرافة وانتشرت بين الفتيات في القرن الثامن عشر، وبحسب تلك الخرافة فأن الفتيات العازبات يمكنهن إلقاء نظرة خاطفة وسريعة على ما ستكون عليه صورة أزواجهن المستقبليين عن طريق المرآة. أما طريقة عمل الخرافة فقد لخصها الشاعر روبرت بورنز في قصيدة تعود إلى عام 1787 كالآتي :
"خذي شمعة وأمضي وقفي لوحدكِ أمام مرآة، تناولي تفاحة قبل ذلك، ومن الأفضل أن تجمعي شعركِ إلى الأعلى؛ قفي هناك وسترين وجه الرجل الذي سيكون زوجكِ، سترينه في المرآة يختلس النظر إليك من وراء كتفكِ".
هناك نسخة أخرى لهذه الخرافة تقول بأن الفتاة الراغبة في رؤية وجه زوجها المستقبلي عليها أن تهبط السلم بصورة معكوسة، أي وجهها للخلف وقفاها للأمام، وعليها أن تحمل بيدها مرآة يدوية تنظر فيها أثناء هبوطها للسلم لكي ترى وجه زوجها المستقبلي وهو ينظر إليها من وراء كتفها.
طبعا أنا لا أعلم إن كانت هذه الطريقة تعمل فعلا أم لا، يمكنكِ أن تجربيها عزيزتي القارئة لتخبرينا بالنتيجة لاحقا، فهي طريقة سهلة ولا تكلفكِ سوى تفاحة!. وأمثال هذه الخرافات عن المرايا منتشرة في كل مكان، حتى في عالمنا العربي.
مرايا السحرة .. تكون سوداء اللون ..
.. ربما نضحك عليها للوهلة الأولى من دون أن ندرك بأن للناس في المرايا عقائد وخرافات غريبة ومتنوعة تعود في جذورها إلى أقدم العصور. وما زالت المرايا تستعمل حتى يومنا هذا من قبل المنجمين والعرافين للتنبؤ بالمستقبل وكشف المستور. لكن العرافين لا يستعملون كل أنواع المرايا وإنما يفضلون نوع خاص يطلق عليه أسم المرآة السوداء، وتعرف أيضا بمرآة العرافين (Black scrying mirror )، وهي أداة سحرية محببة لدى معظم السحرة والساحرات، سواء المحترفين أو المبتدأين، يفضلونها أحيانا حتى على كرات الكريستال الشهيرة، ربما لرخص ثمنها وتوفرها في المتاجر وعلى الانترنت. وإضافة إلى كشف الغيب تستعمل هذه المرايا في تحضير الأشباح والجن والتواصل معهم.
من العقائد الغريبة الأخرى عن المرآة هي تلك التي تتحدث عن قدرتها المزعومة في احتجاز أرواح البشر، ولهذا السبب كان الناس في أمريكا وأجزاء من القارة الأوربية يقومون بتغطية جميع المرايا في المنزل عند موت أحد أفراد العائلة، أو عند وجود جثة داخل المنزل. كان لديهم اعتقاد راسخ بضرورة عدم انعكاس صورة الميت في المرآة لكي لا تحتجز روحه داخلها، كما أمنوا بأن الحي يجب أن لا يرى انعكاس صورة الميت في المرآة لأن ذلك يجلب النحس. كان هذا الأيمان راسخا إلى درجة أن بعض الناس كانوا يغطون المرآة حتى أثناء نومهم، كانوا يعتقدون بأن الروح تغادر الجسد خلال النوم، وبأن المرآة يمكن أن تحتجز روح النائم وتمنعها من العودة إلى الجسد مما يتسبب بموته.
المعتقدات الغريبة حول المرآة لا تنتهي عند هذا الحد، فهناك معتقد قديم آخر في أن كسر المرآة يسبب النحس ويجلب الشر، وبأن الشخص الذي يكسر المرآة سيعاني من سوء الحظ لمدة سبعة أعوام. وتكون الطريقة الوحيدة للتخلص من ذلك النحس هي بلملمة جميع أجزاء المرآة المكسورة ودفنها تحت الأرض. أما طول النظر في المرآة فهو مكروه لدى بعض الناس لأنه على حد زعمهم يمكن أن يسبب الحسد، فالمثل الدارج يقول "ما يحسد المال إلا أصحابه"، وعليه فأن الولع والإعجاب والغرور الزائد عن الحد بانعكاس الصورة في المرآة يمكن أن يتسبب بالمرض والموت!. المؤرخ أبن الجوزي يورد لنا في ذلك قصصا غريبة، فيحدثنا في منتظمه عن أشخاص ماتوا لأنهم أعجبوا بصورهم في المرآة، كالخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك بن مروان الذي :" لبس يوما حلة وعمامة خضراء، ونظر في المرآة، فقال : أنا الملك الشاب، فما عاش بعد ذلك إلا أسبوعا"!. وأتفق مثل ذلك مع الخليفة العباسي أبو العباس السفاح الذي نظر في المرآة يوما وكان من أجمل الناس وجها فقال : "اللهم إني لا أقول كما قال سليمان بن عبد الملك: أنا الملك الشاب، ولكني أقول : اللهم عمرني طويلاً في طاعتك ممتعاً بالعافية. فما استتم كلامه حتى سمع غلاماً يقول لغلام آخر: الأجل بيني وبينك شهران وخمسة أيام، فتطير من كلامه، وقال: حسبي الله، لا قوة إلا بالله، عليه توكلت، وبه أستعين فما مضت إلا أيام حتى أخذته الحمى، فجعل يوم يتصل إلى يوم حتى مات بعد شهرين وخمسة أيام".
نارسيس المسكين .. عشق نفسه ..
طول النظر في المرآة قد يورث الجنون أيضا، خصوصا عندما يتحول إلى إدمان، وقد يقود في حالات معينة إلى نشوء نوع من الهوس والمرض النفسي من قبيل اضطراب التشوه الجسمي (Body dysmorphic disorder ) والوسواس القهري (Obsessive–compulsive disorder ). ولعل قصة نارسيس الإغريقي الذي شاهد انعكاس صورته على وجه الماء فعشق نفسه إلى حد الموت هي أقدم مثال على ذلك الهوس الجنوني بالمظهر والصورة والنفس عموما، ومنه أشتق مصطلح النرجسية (Narcissism )، أي حب الذات. المفارقة أنه يوجد نوع آخر من الاضطراب النفسي معاكس ومغاير تماما، وهو يدعى الخوف من المرآة (Spectrophobia ) ، حيث يرتعب الأشخاص المصابين بهذا المرض من انعكاس صورتهم في المرآة، ولهذا يتجنبون المرايا إلى أقصى الحدود. وهذه الآفة النفسية قد تكون نتيجة لتجربة شخصية سيئة مع المرآة، كأن يكون المريض مولعا بمشاهدة أفلام رعب، أو يكون قد شاهد كابوسا مرعبا فيه مرآة، أو أن يظن بأنه شاهد شبحا أو شيئا مخيفا في المرآة.
أخيرا فأن الخرافات المتعلقة بالمرآة لا تقتصر على البشر، فحتى الآلهة مولعة بالمرايا. فالمرآة كانت رفيقة محببة للربة افروديت، ربة الجمال والجنس والخصوبة لدى الإغريق. أما الربة الرومانية فينوس فكانت لا تفارق مرآتها اليدوية التي كانت ترى بواسطتها كل شيء، وقد تحولت تلك المرآة لاحقا إلى رمز (Venus symbol ) لكل ما يختص بالأنوثة، رمز نراه في الكثير من المواقع والمنتديات النسائية من دون أن ندرك أصله وكنهه.

ماري الدموية والسينما

أفلام عن ماري الدموية ..
هوليوود تناولت خرافة ماري الدموية في العديد من أفلام الرعب، لكن معظم تلك الأفلام للأسف لم ترقى أبدا إلى مستوى نجاح الخرافة، حيث كانت في معظمها أفلاما تجارية فاشلة ركزت على تقديم الرعب الرخيص والخلاعة. وأشهر تلك الأفلام هي :
- Urban Legends: Bloody Mary / 2005
- Bloody Mary / 2006
- Dead Mary / 2007
- The Legend of Bloody Mary / 2008



المصادر:
..................

1- Bloody Mary (folklore)
2- Bloody Mary .. The Urban Legend
3- Scary stories .. Bloody Mary
4- Bloody Mary
5- Bloody Mary Stories Submitted by Readers
6- Queen "Bloody" Mary I Tudor of England
7- La Llorona .. The Weeping Woman
8- Black Mirrors - Spells and Magic
9- Spirit Reflections - Ghosts and Haunted Mirrors
10- Narcissus (mythology)
11- Ten of the best mirrors in literature
12- Mirror, Mirror...
13- Venus symbol
14- منتديات عربية سحرية .. محبة بالمرايا
15- وصفة المرايا .. جلب الحبيب بالسحر العجيب


16 -

الخميس، 31 يناير 2013

عجائب الدنيا السبعة الجديدة

 عجائب الدنيا كثيرة جدا" نراها ونتلمّسها في طول الأرض وعرضها ، هي إبداع الإنسان وفنه الراقي ،فهي لوحات فنّية سحرّية خلاّبه راقية تأسر القلوب والعقول معا" ، أظهرت قدرة الإنسان الخارقة على مرّ الزمن ، وأثبتت أن هذا الإنسان ومنذ نشأته على الأرض إهتم بكافة الفنون وعلى رأسها فن العمارة بكل أشكالها الهندسية وزخرفتها وتطوّرها الى الحدّ الذي جعل من هذا الفن هوعطر الزمن وأريج الحياة وعبق التاريخ ،ونبض الزمان وإشراقة الحاضر والمستقبل .


من اين اتت فكرة عجائب الدنيا السبع الجديدة، 
هو مشروع استثماري أطلقه منتج أفلام كندي من أصل سويسري يدعى برنارد فيبر عام 1999، وذلك من خلال شركة ربحية أنشأها باسم مؤسسة العالم المفتوح الجديد (New Open World Corporation). وهي شركة تهدف إلى الحصول على الأرباح من خلال إشراك الأفراد من مختلف أنحاء العالم للتصويت على قائمة عجائب سبع جديدة. هذه العجائب حسب اقتراح الشركة يجب أن تكون قد بنيت من قبل الإنسان قبل نهاية عام 2000 ويجب أن تكون صامدة إلى وقت انتهاء التصويت.
 قامت الشركة بإجراء المسابقة للمرة الأولى عام 2000 حيث اختارت الشركة 17 موقعا ليتم التصويت عليها، إلا أن الانتقادات التي وجهت لها من قبل الجمهور دفعها لإضافة ست مواقع أخرى طالب بها الجمهور منها أوبرا سيدني في أستراليا، وجسر البوابة الذهبية وناطحة السحاب إمباير ستيت، في الولايات المتحدة.

في 30 مايو 2002 تم إنشاء مؤسسة العجائب السبعة الجديدة اللاربحية لتصبح واجهة للمشروع، وتم تسجيل الشركة في سويسرا. وبحلول عام 2005 توصلت المؤسسة إلى قائمة تحوي 200 مبنى وصرح شيدها الإنسان. أطلقت المؤسسة بعدها تصويتا على الأنترنت قلص حجم القائمة إلى 77، وأشترك بالتصويت أكثر من 20 مليون شخص. تم تقليص القائمة لاحقا من قبل فريق من المعماريين المتميزين (سبع مهندسين مميزين حسب إدعاء الشركة) إلى 21 مبنى وصرح.
يدعي فيبر ضمن موقع المؤسسة أنه سيتبرع بنصف أرباح المؤسسة من المسابقة الثانية للمساهمة في الحفاظ على العجائب السبعة الحديثة التي سيتم التصويت عليها.
 
 ردود فعل الدول على مشروع عجائب الدنيا السبعة

ألمانيا

وجه انتقاد له في ألمانيا، وذلك بسبب كون قصر نويشفانشتاين الذي تم اختياره من قبل المؤسسة ليكون ضمن المواقع في المرحلة النهائية كان من ممتلكات ملك بافاريا لودفيغ الثاني، والذي يعرف بأنه كان رجلا مجنون.


مصر

أعنف الانتقادات التي وجهت للمشروع صدرت عن مصر، فاروق حسني، وزير الثقافة اعتبر المشروع "غريب" وأن صاحب الفكرة "يسعى لعمل دعاية لنفسه". وخبير الآثار المصري، ومستشار التراث العلمي نجيب امين أعلن ان المشروع هو " تجاري وليس علمي ويتعارض مع اتفاقية حماية التراث والمواقع الأثرية التي وضعتها اليونسكو". كما تم إلغاء حجز القاعة المخصصة لمؤتمر فيبر الصحفي، ومنع فريق من وكالة فرانس برس من تصوير فيبر تحت ذريعة الأسباب الأمنية. كما ذكر زاهي حواس، الامين العام للمجلس الأعلى للاثار المصرية، أن "الاهرامات هي الوحيدة الباقية من عجائب الدنيا السبع وليست بحاجة إلى مثل هذا الاستفتاء.. انه سخف". نقل عن ويبر قوله أن يفكر باستبعاد الأهرامات بعد الاستقبال البارد الذي حظي به من المصرين

 أخذ التصويت في الأردن منحنى مختلف، حيث تم اعتبار الأمر واجب وطني، وشنت الحكومة الأردنية حملات دعائية ضخمة من أجل البتراء في الصحف الأردنية والإذاعة الأرنية والتلفزيون الأردني  لتحفز مواطني المملكة على التصويت. ووصل الأمر إلى مجلس النواب حيث طالب أحد النواب الوزراء وزملاءه النواب بالتصويت والطلب من قواعدهم الانتخابية التصويت وبدأت الشركات بإطلاق الحملات لدعم التصويت، ولم تكتفي الحكومة بذلك بل وزعت كتيبات عن تاريخ البتراء وجعلت التصويت مجاناً وارسلت البلديات (خيم) في داخلها أجهزة حاسوب للتصويت عبر الإنترنت. وقد زعمت مؤسسة New7Wonders ان 14 مليون صوت قد ادلي من داخل البلد

عجائب الدنيا السبع الجديدة والدول الفائزة بالمسابقة:

1. سور الصين العظيم :
بدأ بناؤه قبل اكثر من الفي عام وهو بالتأكيد الأثرالتاريخي العملاق و الأطول في العالم، اذ يمتد من المحيط الهادىء الى تخوم آسيا الوسطى. وصنفت اليونسكو هذا السور في التراث العالمي عام 1986.

2. مدينة البتراء الأردنية: 
وهي
على بعد حوالى 300 كلم جنوب عمان العاصمة الاردنية، شيدت مدينة البتراء على يد العرب الأنباط ، وهي من التراث العالمي الفريد من نوعه فالمعابد الكثيرة والاديره والمدافن التي تؤلف هذه المدينة، محفورة مباشرة في الصخرالوردي

3. معبد تاج محل فى الهند
شيد الامبراطور شان جاهان معبد تاج محل في القرن السابع عشر تخليدا لذكرى زوجته الراحلة ( ممتاز محل) التي توفيت لدى وضعها إبنه الرابع عشر، وهذا المعبد الابيض اللون الواقع شمال مدينة اغرا، هو الموقع الذي يستقطب اكبر عدد من السياح في الهند ويزوره سنويا ثلاثة ملايين سائح. لقراءة عن تاج محل وقصته اضغط هنا

4. المسرح الرومانى( الكولوسيوم) فى روما 
وهو رمز مدينة روما، وقد بني قبل حوالى الفي عام في القرن الاول بعد المسيح ( ع )، إبان حكم الامبراطورية الرومانية.

5. تمثال السيد المسيح ( ع ) فى ريودى جانيرو:

يعتبر تمثال المسيح ( ع ) رمزا للبرازيل كلها اليوم. وقد دشّن قبل 75 عاما على جبل كوركوفادو في ريو دو جانيرو في نهاية اعمال استمرت خمس سنوات تطلبها شق طريق وسكة للحديد لتمكين الناس من الوصول الى كوركوفادو الذي يرتفع عن سطح البحر 710 امتار. وهو من ابرز الاماكن السياحية في ريو دو جانيرو (8،1 مليون سائح في السنة).


6. آثار ماشوبيشو لقبائل الانكا فى بيروبنيت ، 
قلعة ماشو بيشو الواقعة بين جبلين في سلسلة جبال الاند على ارتفاع 2438 مترا، بنيت في القرن الخامس عشر ايام الامبراطور باشاكوتك. وكانت ماشو بيشو تستخدم مركزا ثقافيا ودينيا ومرصدا لمراقبة الكواكب. ويزورها اكثر من الفي سائح يوميا هذه القلعة التي اعلنتها اليونسكو من التراث التاريخي للبشرية عام 1983.اقرا عن المدينة بالكامل من هنا

7. مدينة مايا القديمة فى المكسيك مدينة شيشن- ايتزا في المكسيك :

بنيت في العام 500 قبل المسيح شمال شبه جزيرة يوكاتان في المكسيك. وبالاضافة الى الهرم الذي يبلغ ارتفاعه 54 مترا، يعتبر المرصد الفلكي ومعبد المحاربين الذي يروي قصة اجتياح يوكاتان من قبل مجموعات اتت من وسط المكسيك،.

قصة حب ووفاء خالدة .. تاج محل

يسميه الهنود "قصيدة المرمر" و هو كذلك بالفعل , فأحجاره تنطق بأجمل و اصدق ما يمكن ان يقوله العاشق ‏الولهان لحبيبته و قبابه الساحرة تروي للأجيال عن قصة حب و وفاء خالدة , انه تاج محل , درة من درر الفن ‏الإسلامي و العالمي و احد عجائب الدنيا السبع الجديدة , قصر ابيض يبدو من بعيد كأنه يطفو في الهواء فيعيدك ‏بالزمن الى أجواء ألف ليلة و ليلة و حكاياتها السحرية و لا تملك الا ان تقف مشدوها أمام أبهته و جماله.‏

درة من درر الفن الاسلامي استغرق بنائها اكثر من 20 عاما

صورة لتاج محل التقطت من الحديقة الامامية المواجهة
في القرن السادس عشر الميلادي كانت إمبراطورية المغول في الهند في أوج عصرها الذهبي و امتد سلطانها ليشمل تقريبا كل مساحة الهند الحالية بالإضافة الى باكستان و أفغانستان و خضع لها العديد من الشعوب و الثقافات و الأديان المختلفة , و رغم ان أباطرة المغول في الهند كانوا مسلمين الا انهم اتسموا بالتسامح الديني فازدهرت البلاد في عهدهم و امتزجت الحضارات و الثقافات المختلفة لتنتج مجموعة رائعة من  الآثار الفنية و المعمارية الرائعة , ربما يكون اجملها و أكثرها رسوخا في الذاكرة العالمية هو ضريح تاج محل الواقع على ضفاف نهر جومينا في مقاطعة آجرا الهندية , فبالإضافة الى روعة بناءه و لطافت شكله و تصميمه فأن القصة التي ارتفع بنانه لأجلها تضفي عليه المزيد من الجمال و تلفه في هالة من الرومانسية الحالمة.

لماذا و لأجل من بني تاج محل؟

في عام 1607 للميلاد , كان الأمير خرم ولي عهد الإمبراطورية في الخامسة عشر من العمر عندما حضر  إحدى المناسبات فشاهد ابنة احد النبلاء الفرس المقربين من البلاط و اسمها ارجمند بانو بكم , كانت رائعة الجمال و في الرابعة عشر من العمر و قد وقع الأمير في حبها من النظرة الأولى ففاتح والده الإمبراطور جهانكير من اجل خطبتها و امتدت هذه الخطبة لخمسة سنوات توجت بزواج العاشقين في عام 1612 , و قد ازداد تعلق الأمير خرم بزوجته الجميلة بعد الزواج فأطلق عليها اسم ممتاز محل , كانت زوجة محبة و وفية لا تتدخل في المشاكل و المكائد السياسية على عكس نساء البلاط الأخريات , و رغم انها كانت الزوجة الثالثة الا انها كانت المفضلة و المحببة و الوحيدة المتربعة على عرش قلب الأمير و كان يصطحبها معه دوما في حروبه و غزواته و يجعلها موضع سره و ثقته و قد أنجب منها أربعة عشر طفلا.
في عام 1628 توفى الإمبراطور جهانكير فارتقى الأمير خرم عرش الإمبراطورية و صار يعرف بأسم الإمبراطور شاه جهان أي ملك العالم , و قد واجه في بداية حكمه عدة ثورات و تمرد عليه بعض الولاة , كان احدهم هو حاكم إحدى المدن الأفغانية فتوجه لمحاربته عام 1631 , و كالعادة اصطحب معه زوجته ممتاز محل رغم انها كانت حامل في شهورها الأخيرة لكن يبدو ان مشاق الرحلة الطويلة قد أجهدتها و أرهقتها فتعسرت ولادتها و ساءت حالتها و بدا انها تحتضر فهرع اليها الإمبراطور و جلس قرب رأسها يذرف الدموع حزنا و كمدا , و يقال ان ممتاز محل نظرت اليه قبل موتها بلحظات و طلبت منه أمرين , الأول بأن لا يتزوج بعدها أبدا لئلا ينجب أولادا آخرين فينازعوا أبنائها على السلطان و الأمر الثاني هو أن يشيد لها ضريحا و بناءا فريدا من نوعه يخلد ذكرها الى الأبد , و قد وافق الإمبراطور على الطلبين في الحال و بقي مرابطا عندها على أمل ان تستعيد عافيتها لكنها سرعان ما لفظت  أنفاسها و انتقلت الى بارئها تاركة الإمبراطور وحيدا يذوب أسى و حسرة و يقال انه اعتكف بعد موتها لمدة سنة كاملة و حين ظهر للناس مرة ثانية كان قد غدا شخصا أخر فقد أبيض شعره و انحنت قامته.
 القبور الحقيقية , القبر الصغير لممتاز محل و الكبير لشاه جهان و يقعان في غرفة صغيرة تحت بناء تاج محل

بناء تاج محل

في عام 1631 , أي نفس العام الذي توفت به ممتاز محل , شرع الإمبراطور ببناء الضريح الذي سيضم جثمانها و الذي سيعرف لاحقا بأسم تاج محل , و قد بعث رسله الى مختلف البلدان و الأفاق في طلب أساتذة و عباقرة الفن الإسلامي انذاك و انفق الأموال الطائلة في جلبهم و في توفير العمال و مواد البناء , فأحضر الأستاذ عيسى و اسماعيل افندي من الإمبراطورية العثمانية و استقدم برو و كاظم خان و امانت خان و مير عبد الكريم الشيرازي من الإمبراطورية الصفوية في إيران إضافة الى العشرات من فناني و حرفيي الهند , و سرعان ما بدء البناء الرخامي الجميل يرتفع شيئا فشيئا الى جانب ضفاف نهر جومينا لينجلي في عام 1653 عن تحفة فنية لا مثيل لها.
 البناء ينتصب فوق منصة حجرية مربعة يبلغ طول أضلاعها 55 × 55 متر , في وسط المنصة ينتصب بناء الضريح بعلو 74 متر و يتكون من بناء مثمن الشكل تطل منه مجموعة من الاواوين يتوسطها إيوان كبير بإزاء كل ضلع من أضلع المنصة المربعة و هي مزينة بآيات قرآنية منقوشة بخط الثلث أبدع في خطها و زخرفتها الفنان الإيراني امانت خان الشيرازي , و تعلو البناء المثمن قبة رائعة الجمال يبلغ ارتفاعها حوالي 35 متر و تحيط بها أربعة قباب صغيرة الحجم , و هناك أربع منائر تحيط بالبناء تقع كل منها في إحدى زوايا المنصة الحجرية و يبلغ ارتفاعها أكثر من 40 مترا , و في داخل بناية تاج محل هناك قاعة رئيسية ثمانية الأضلاع و مزينة بآيات من القرآن تحيط بها نقوش و زخارف إسلامية بارعة الجمال و هناك ضريح كاذب لممتاز محل و زوجها الإمبراطور بينما يقع القبر الحقيقي في غرفة رخامية صغيرة تقع تحت القاعة الرئيسية و بأبعاد 1.5 × 2.5 متر يتوسطها قبر ممتاز محل و هو مطرز بالزخارف و الآيات القرآنية و الى جانبه قبر أخر هو قبر الإمبراطور شاه جهان و يتجه كلا القبرين باتجاه القبلة. يقع نهر جومينا خلف تاج محل ,

الحديقة 
اما في الجهة الأمامية فهناك حديقة كبيرة غناء تصل مساحتها الى حوالى 300 متر مقسمة الى أربع أقسام و يتوسطها حوض مائي كبير ,وسميت بحديقة الجنة
 المسجد
 و الى يمين بناية تاج محل يقع مسجد مبني من الصخور الرملية الحمراء يستعمل لأداء الصلاة من قبل زوار الضريح و اما الى الجانب الأيسر فيقع بناء أخر يشبه المسجد الذي في الناحية اليمنى من ناحية الشكل و التصميم و يستعمل كدار استراحة و اغلب الظن بأنه بني من اجل المحافظة على تنسيق تصميم تاج محل , و هناك حائط حجري يحد تاج محل من ثلاثة جهات باستثناء الجهة الخلفية التي يحدها النهر , و خارج هذا الحائط هناك مجموعة من القبور تعود لزوجات الإمبراطور الأخريات و لبعض الخادمات المقربات من ممتاز محل.
استغرق بناء تاج محل 22 عاما و عمل فيه عشرين الف رجل و تم استخدام الف فيل لجلب الرخام الأبيض المستعمل في البناء من إقليم راجستان , و قد طرزت ألواح الرخام بمختلف الأحجار الكريمة التي جلبت من أصقاع مختلفة , اليشب جلب من البنجاب و الكريستال من الصين و الفيروز من التبت و اللازورد من أفغانستان و الياقوت الأزرق من سيرلانكا و العقيق من الجزيرة العربية , و قد غطيت بعض أجزاء البناء و القبة بطبقات من الذهب لكن للأسف لم يتبق شيء من هذه المجوهرات اذ سرق معظمها جنود و ضباط الجيش الانكليزي الذين احتلوا المكان في القرن التاسع عشر.
في عام 1983 قامت اليونسكو بإضافة تاج محل الى قائمة مواقع التراث العالمي و في عام 2007 تم انتخابه كأحد عجائب الدنيا السبع الجديدة حيث حصل على أكثر من مئة مليون صوت , و في الآونة الأخيرة ارتفعت الأصوات للمحافظة عليه من تلوث البيئة حيث يقول بعض الباحثين ان لونه الأبيض اخذ بالتحول الى الأصفر بسبب تلوث الهواء. 

أساطير وحكايات حول  تاج محل

في عام 1657 مرض الإمبراطور شاه جهان و سقط طريح الفراش فأستغل الفرصة ابنه الأمير اورنك زيب ,  ثالث أولاده من ممتاز محل , و قام بانقلاب أعدم خلاله أخيه الأكبر الوريث الشرعي للعرش الأمير دارا شكوه و نصب نفسه على العرش محل أبيه تحت اسم الإمبراطور عالمكير, و منذ ذلك التاريخ تم وضع الإمبراطور شاه جهان تحت الإقامة الجبرية التي استمرت حتى وفاته عام 1666 حيث دفن الى جوار زوجته الحبيبة داخل ضريح تاج محل , و تقول الأسطورة ان الإمبراطور كان ينوي ان يبني ضريحا لنفسه يكون على الضفة الأخرى من النهر إزاء ضريح تاج محل و يكون مماثلا له من ناحية الشكل و التصميم و لكنه مكسو بالرخام الأسود على عكس رخام تاج محل الأبيض , و بالفعل تم اكتشاف صخور سوداء على ضفة النهر المقابلة لتاج محل الا ان العلماء اكتشفوا فيما بعد انها ليست سوى صخور من الرخام الأبيض تحولت بمرور الزمن الى اللون الأسود لذلك فأغلبهم يرفضون تصديق أسطورة تاج محل الأسود.
و هناك بعض الأساطير الأخرى عن البناء , إحداها تدعي بأن الإمبراطور شاه جهان قام بقطع أيادي جميع الفنانين و الحرفيين الذين ساهموا في بناء تاج محل و ذلك لكي لا يشيدوا بناءا مماثلا له في المستقبل و قام بسمل عيونهم حتى لا يروا شيئا أجمل منه لبقية حياتهم !! و هناك أسطورة أخرى كان بطلها و المروج لها هو احد المتعصبين الهندوس المدعو  ب.ن.اوك  حيث اصدر كتابا عام 2000 يحمل عنوان "تاج محل : القصة الحقيقية" و فيه ادعى بأن بناء تاج محل في الأصل هو معبد هندوسي قديم لعبادة الآلهة شيفا و ان شاه جهان قام بالاستيلاء عليه و إخفاء معالمه الأصلية خلف ألواح الرخام الأبيض , و قد قام برفع دعوى لدى المحكمة الهندية العليا يطالب فيها باستعادة تاج محل ليصبح معبدا هندوسيا من جديد الا ان المحكمة رفضت دعواه و كذلك رفضها جميع الأكاديميين و الباحثين العاملين في مجال الآثار و التاريخ في جميع أنحاء العالم , و من الطريف ان هذا الكاتب المتعصب ادعى في احد كتبه أمورا تضحك الثكلى , فقد ادعى ان المسيحية و الإسلام كلاهما تعود جذورهما الى الديانة الهندوسية و ان الكعبة في الأساس كانت معبدا هندوسيا!!

المصادر 
1-موسوعة ويكيبديا الحرة
  •  الموسوعة العربية الميسرة، 1965
  •  موسوعة المورد، منير البعلبكي، 1991

الاثنين، 28 يناير 2013

تناسخ الارواح .. قصة جينى كوكيل

هل صادف عزيزي القارئ أن مررت يوما بشارع أو دخلت مبنى قديم لم تره في حياتك سابقا , ثم يخامرك فجأة ‏إحساس غامض بأن المكان يبدو مألوفا بالنسبة لك , و كلما دققت النظر في أركانه و زواياه كلما اشتد شعورك ‏بالألفة و الانسجام مع تفاصيله بل ربما تراقصت أمامك أشباح و خيالات لذكريات باهتة و مشوشة تمر في عقلك ‏كومضات ضوئية سريعة تحاول عبثا أن تتشبث بها لكنها تبتعد و تتلاشى قبل أن تستطيع اللحاق بها , انه ‏إحساس يخامر اغلب الناس لمرة واحدة في حياتهم على الأقل و غالبا لا يجدون له تفسيرا فيعزوه إلى الخيال و ‏الهلوسة البصرية و هو رأي يوافقهم عليه العلماء أيضا , لكن هل هناك تفسير أخر لهذه الحالة ؟.‏

ادعت انها ماتت قبل واحد و عشرين عاما من ولادتها !!

 هناك الكثير من القصص لأشخاص ادعوا بأنهم عاشوا حياة سابقة , أي أنهم ماتوا ثم ولدوا من جديد في جسد إنسان أخر , و هذه القصص و الحوادث النادرة عرفتها جميع الأمم و الشعوب منذ أقدم العصور و قد نسبها القدماء إلى ما يعرف بعقيدة التناسخ , أي إن الأرواح تنتقل بعد الموت إلى جسد أخر فتولد من جديد و تبدأ حياة جديدة , و قد آمنت بعض الديانات , مثل البوذية و الهندوسية , بالتناسخ بشدة حتى أصبح جزءا لا يتجزأ من معتقداتها الدينية , أما الأديان السماوية , أي اليهودية و المسيحية و الإسلام , فرفضت هذه الفكرة تماما و آمنت بأن الإنسان لا يعيش سوى حياة واحدة يحاسب على أفعاله و أقواله خلالها , و لكن حتى هذه الأديان لم تخلو من فرق و مذاهب فرعية آمنت بالتناسخ بشكل أو بأخر , في حين ذهبت بعض المدارس الدينية إلى قبول قصص التناسخ التي يتداولها الناس لكنهم نسبوها إلى تقمص الأرواح و مس الجان , أما العلماء فيرفضون التناسخ جملة و تفصيلا لأنهم أصلا لا يؤمنون بوجود الروح , بل يزعمون أن النفس هي العقل بما يختزنه من مشاعر و انفعالات و ذكريات و بموته ينتهي الجسد و يتحول إلى شيء جامد لا حياة فيه , أي مثل جهاز الكمبيوتر الذي تقطع عنه التيار الكهربائي فيتحول إلى مجرد قطعة معدنية جامدة.

احدى قصص تناسخ الارواح .. قصة جينى كوكيل
قصة الانكليزية جيني كوكيل (Jenny Cockell ) , هي إحدى قصص "الحياة السابقة" المشهورة و التي كانت موضوعا لكتابين و عرضت في التلفزيون و نشرت حولها العديد من التحقيقات الصحفية , بعضها في جرائد و إذاعات عالمية مرموقة و محترمة مثل هيئة الإذاعة البريطانية (BBC ) , طبعا هناك العديد من القصص الأخرى التي تتناولها الجرائد و المجلات بين الحين و الأخر عن موضوع الحياة السابقة , و بعضها في منطقتنا العربية , لكننا اخترنا هذه القصة لأنها , بالإضافة إلى غرابتها , اتسمت ببعد أنساني مؤثر إذ أدت الى لم شمل مجموعة من الإخوة و الأخوات بعد أن فرقتهم عاديات الزمان لأكثر من ستين عاما , و كذلك لأن هذه القصة موثقة بالأسماء و الصور و لأنها جلبت أنظار المؤيدين و المشككين في آن واحد.
ولدت جيني كوكيل عام 1953 في انكلترا , كانت طفلة حالمة تتخيل الكثير من الأمور التي ما كان لطفلة في مثل سنها حتى ان تفكر فيها , لكنها كانت تظن ان جميع الأطفال الآخرين لهم أحلام و خيالات مثل تلك التي تراودها بين الحين و الأخر , احد الأحلام الذي رافق طفولتها و طالما قض مضجعها هو حلم مخيف عن موتها , كانت تتخيل نفسها في غرفة بيضاء شديدة الإضاءة فيها شباك وحيد قديم الطراز , و ينتابها إحساس ثقيل بالغربة كما لو أنها بعيدة عن بيتها , و كانت تشعر بألم شديد في جسدها و صعوبة في التنفس , لكن ذلك الألم كان لا يقارن مع الشعور المرعب بدنو اجلها و حسرتها و خوفها على الأطفال التي ستتركهم خلفها , كان حلما غريبا حقا , خاصة بالنسبة إلى طفلة في عمر جيني. هذه الخيالات و الرؤى كانت تزداد قوة و وضوح عاما بعد عام فتتحول في رأس جيني الصغير إلى صور لأماكن و وجوه لم ترها في حياتها , أكثر تلك الصور وضوحا كانت لكوخ صغير تحيط به الأشجار و تنتصب بالقرب منه مجموعة من الأكواخ البسيطة , كانت بلدة صغيرة و كان بإمكان جيني رسم خريطة لها على الورق , لكنها لم تكن تعلم أين تقع هذه البلدة في هذا العالم الواسع , لكن في المدرسة , كانت جيني تفتح أطلسها الجغرافي و تحدق بغرابة إلى رسم لخارطة ايرلندا ثم تمرر إصبعها فوق الرسم ببطء لتتوقف فجأة عند بقعة معينة كتب تحتها اسم مالهد , كانت بلدة صغيرة إلى الشمال من دبلن , و مع أن جيني لم تزر ايرلندا في حياتها لكن شعورا قويا لا يقاوم كان يشدها دوما إلى ذلك المكان البعيد.
رغم الخيالات و الأحلام , المزعجة أحيانا , التي كانت تتراءى لها من حين لأخر إلا إن جيني استمرت في حياتها حتى غدت شابة و تزوجت و أصبحت أما لطفلين , إلا أنها لم تتوقف يوما عن التفكير في ذلك الكوخ الصغير القابع في تلك البلدة الصغيرة من ايرلندا , بل إن إنجابها لأطفالها و شعورها بالأمومة جعل تلك الخيالات القديمة أكثر قوة و وضوحا , خاصة تلك المتعلقة بالأطفال الصغار الذين كانت تراهم في أحلامها و التي بدا واضحا بأنها كانت والدتهم في حياة أخرى , لقد شعرت بحنين و قلق كبير تجاه أولئك الأطفال إلى درجة أنها قررت أخيرا عام 1988 القيام بزيارة إلى بلدة مالهد في ايرلندا , و ما أن وطئت أقدامها ارض تلك البلدة حتى أخذت أحلامها و خيالاتها القديمة تمتزج مع الواقع لتصبح حقيقة ماثلة للعيان , صحيح أن هناك بعض التغييرات طرأت على البلدة و لكنها في تفاصيلها العامة كانت مطابقة للصورة التي رسمتها جيني في عقلها , و كانت المفاجأة الكبرى عندما وجدت جيني الكوخ الصغير الذي طالما ظهر في أحلامها , كان مهجورا و خربا لكنها تمكنت من التعرف عليه بسهولة , ثم بدئت الصور و الذكريات تنهال عليها , صور ارتسمت في ذهنها لعائلة تتكون من زوج و زوجة و ثمانية أطفال , لكنها لم تستطع تذكر اسم العائلة و لا اسم تلك المرأة التي كانت تجسدها.
 
قررت جيني ان تكتب رسالة إلى مالك الأرض التي ينتصب عليها الكوخ تطلب فيها مساعدته في التعرف على اسم العائلة التي كانت تسكنه طبقا للأوصاف و المعلومات التي كانت تراها في أحلامها , و يبدو أن الحظ قد ابتسم لها إذ لم تمض مدة طويلة حتى جاءتها برقية جوابية , لقد كتب إليها مالك الأرض ليخبرها بأن الأوصاف التي ذكرتها في رسالتها لا تنطبق إلا على عائلة جون و ماري سوتون و أطفالهم الثمانية الذين كانوا يقطنون الكوخ في الثلاثينيات , و في الحال أيقنت جيني من أن عائلة سوتون هي العائلة التي طالما رأتها في أحلامها و أن روح ماري سوتون هي التي حلت في جسدها , ثم قررت البدء بالبحث عن أطفال ماري سوتون  فكتبت عدة  رسائل إلى دور الأيتام و الكنائس و المستشفيات في دبلن و ضواحيها تستعلم فيها عن مصيرهم , و سرعان ما جاءها رد من احد القساوسة الذي وجد في سجلات كنيسته معلومات حول تعميد عدد من أطفال العائلة : جون (1923) فيلومنا (1925) كريستوفر (1926) فرانسيس (1928) بريجيت (1929) إليزابيث (1932) , كانت جيني على يقين من أن هناك طفلين آخرين لم ترد أسمائهم في سجلات الكنيسة , لكن رغم ذلك كانت المعلومات التي حصلت عليها بمثابة الخيط الذي أوصلها في النهاية الى معرفة ماذا حل بأطفال ماري سوتون.
قامت جيني بنشر إعلان صغير في إحدى جرائد دبلن وضعت فيه أسماء الأطفال لغرض الحصول على معلومات عنهم , و كم كانت المفاجأة كبيرة عندما اتصل بها جون الابن الثاني لماري سوتون , لم تكن المكالمة مشجعة إذ إن جون لم يقتنع بمزاعم جيني , كان صعبا عليه أن يصدق , و هو عجوز ناهز الخامسة و الستين , بأن امرأة في الخامسة و الثلاثين من العمر تتصل به لتخبره بأنها النسخة الجديدة لروح والدته ماري التي توفت قبل 56 عاما , لكن مكالمة جون لم تخلو من فائدة إذ أعطى جيني رقمي هاتف أشقائه سوني (الابن الأكبر) و فرانسيس.
لم يكن سوني سوتون يتخيل حتى في الأحلام ما سيسمعه في الهاتف مساء احد الأيام من عام 1990 , لقد تحدث لفترة من الزمن مع امرأة انكليزية و عندما أغلق الهاتف بدا لوهلة مصدوما و مبهورا حتى ان زوجته سألته باستغراب : "ماذا جرى لك ؟ لماذا تبدو شارد الذهن ؟" , فأجابها سوني و هو يحدق إلى حائط الغرفة و قد بدت على وجهه معالم الدهشة : "اعتقد باني تحدثت للتو مع شبح" ثم أردف بصوت مرتجف "أنا متأكد من إني كنت أتحدث للتو مع أمي!!". لقد كانت بعض الأشياء و الأمور التي ذكرتها جيني أثناء حديثها على الهاتف مع سوني على درجة من الخصوصية بحيث يستحيل على أي شخص في العالم أن يعلم بها باستثناء أمه ماري , لكن ما استعصى على سوني استيعابه هو كيف يمكن لامرأة ولدت بعد وفاة والدته بواحد و عشرين عاما و في بلد أخر أن تعرف مثل هذه الأمور عن طفولته.
صورة لجيني كوكيل مع سوني سوتون
إن اثر مكالمة جيني على سوني لم يقتصر على الدهشة و الصدمة و لكنها أعادته إلى ذكريات بعيدة و باهتة كان قد طوى صفحتها و تمنى لو ينساها إلى الأبد : "أبي كان سبب جميع المصائب التي حلت بنا" هكذا اخبر سوني سوتون احد الصحفيين الذي كان يجري مقابلة معه بعد عام على الاتصال الأول مع جيني , ثم صمت لبرهة و قد ارتسمت على وجهه ملامح حزينة و هو يسترجع في مخيلته شريط الماضي البعيد , ثم أردف بصوت متهدج : "كان أبي بناءا و كان يكسب مبلغا جيدا من المال لكنه كان ينفقه على احتساء الخمر , كنا نظل لأسابيع كاملة بدون مصروف للبيت , لم يكن لدينا شيء لنأكله , كان أبي يعود ليلا و هو مخمور و يطلب أن يوضع العشاء أمامه , و إذا لم تجد والدتي شيئا لتضعه على الطاولة كان ينهال عليها بالضرب بقسوة , أحيانا كنت أحاول باستماتة منعه من ضربها فكان يضربني أنا أيضا" , لم تكن العائلة في الغالب تملك شيئا لتأكله , كان سوني و أشقائه يحاولون في النهار صيد الأرانب و السمك أو أي شيء يمكن ان يؤكل و في الليل كانوا يسرقون بعض الخضار من الحقول المحيطة بالبلدة , كانت طفولة بائسة و تعيسة , لكن على العكس من الأب جون السكير و القاسي , كانت الأم ماري غاية في الرقة و الحنان في تعاملها مع أطفالها.
سوني كان في الثالثة عشر عندما ماتت أمه عام 1932 , و هو يلوم والده على وفاتها أيضا : "لقد كانت مريضة و منهكة , أنجبت 10 أطفال خلال 13 عام (مات اثنان منهم في الطفولة) و بعد وفاة أخر أطفالها اخبرها الطبيب بأن إنجاب طفل أخر سيعني موتها المؤكد" , و بالفعل تحققت نبوءة الطبيب إذ ماتت ماري سوتون في المستشفى بعد أن وضعت أخر أطفالها : "لقد كانت ضربة مؤلمة لنا" قال سوني بحزن ثم أردف و هو يغالب دموعه "لقد انقلب كل شيء في حياتي رأسا على عقب".
و لم تمضي سوى عدة أيام على وفاة ماري سوتون حتى حضرت راهبة إلى الكوخ و اصطحبت معها شقيقات سوني إلى احد الملاجئ و بعد ذلك بأسابيع قليلة اخذوا أشقائه أيضا إلى احد دور الأيتام , و لم يبقى في المنزل سوى سوني الذي أصبح خادما لأبيه و حاضنة لأخته الرضيعة التي توفت والدته و هي تضعها , "لقد أحببت تلك الطفلة من كل قلبي" قال سوني "لقد رعيتها مثل أمي , كنت أغير ملابسها و اغسلها و أطعمها تماما كما كانت أمي تفعل مع بقية أشقائي , لكن في احد الأيام حضر احد أعمامي و اخذ الطفلة , لم أرها أبدا بعد ذلك اليوم" , لقد كانت طفولة سوني عبارة عن مأساة , إذ تفرقت عائلته و لم يعلم شيئا عن أشقائه و شقيقاته لسنوات طويلة و أصبح يعمل في الحقول من الصباح حتى المساء من اجل أن يعيل والده السكير , لكن بعد أربع سنوات على وفاة والدته لم يعد سوني يطيق حياته فهرب في إحدى الليالي من كوخ والده و التحق بالجيش و لم يعد بعدها إلى مالهد إذ لم تكن البلدة تعني له سوى مجموعة من الذكريات الأليمة التي كان يود أن ينساها إلى الأبد.
"لا اعلم ماذا أقول , أنا كاثوليكي (المذهب) و نحن لا نؤمن بالتناسخ , لكن عندما حضرت جيني إلى هنا و رأيتها تترجل من السيارة شاهدت فيها صورة أمي , لقد كانت هناك رابطة ما تشدنا إلى بعض منذ البداية" هكذا اخبر سوني الصحفيين بعد لقائه بجيني , لقد جلسا معا لفترة طويلة و تحدثا عن أمور لم يكن لأحد أن يعرفها عن حياة سوني سوتون , عن ذكريات قديمة عمرها أكثر من ستين عاما , "جيني تتذكر أنها كانت تقف على رصيف البحر القريب من البلدة كأنها تنتظر شخصا ما , لكنها لم تكن تعلم من هذا الشخص و لماذا تنتظره , لقد أخبرتها بأني أنا هو ذلك الشخص إذ كنت أتوجه مع القوارب إلى الخليج لصيد السمك أيام السبت و كانت دائما تقف بانتظار عودتي" قال سوني ضاحكا , و بالمقابل كانت هناك عدة أمور نسيها سوني و ذكرته بها جيني.
استطاعت جيني معرفة مصير أولاد ماري سوتون لكنها لم تستطع العثور على أي اثر للفتيات , لذلك نشرت إعلانا في الجرائد تطلب معلومات عنهن , و لم تلبث طويلا حتى اتصلت بها بيتي (إليزابيث) , الطفلة الأخيرة التي ماتت ماري بعد ولادتها , كانت الآن جدة في الثانية و الستين من العمر لها ستة أبناء و 21 حفيدا , لم تكن تعرف أبدا بان لها إخوة و أخوات , لقد رباها عمها على أنها ابنته الوحيدة و كانت تظن دوما بأنه والدها الحقيقي و أن زوجته هي أمها , و على رغم علاقتها القوية مع عمها الذي أولاها عطفا و اهتماما كبيرا لم يكن والدها الحقيقي ليوفره لها , لكنها أحست دوما في قرارة نفسها بعاطفة مفقودة مع أمها , أي زوجة عمها , و لم تكن تعرف السبب الحقيقي لذلك.
سوني سوتون كان قد بحث لسنوات طويلة عن شقيقته الصغيرة بيتي و استطاع قبل عدة سنوات الحصول على هاتف زوجة عمه التي أخبرته حينها بأن بيتي قد تزوجت و انتقلت للعيش مع زوجها و أنها لا تعلم عنوانها , لقد كذبت عليه إذ يبدو أنها اتفقت مع زوجها منذ زمن بعيد بأن لا تعرف بيتي أبدا حقيقة عائلتها الأصلية.
كان اللقاء بين سوني و بيتي مؤثرا جدا , لقد عرفا بعضهما من النظرة الأولى رغم الحشد الكبير من الأشخاص و الصحفيين الذين كانوا حاضرين في مكان اللقاء و رغم أن احدهما لم يرى الأخر منذ 62 عاما حين كانت بيتي مجرد طفلة رضيعة , بالنسبة إلى جيني فقد قالت بيتي عنها للصحفيين : "أنا لا استطيع أن اشعر بأنها أمي لأني لا اذكر أمي أصلا إذ كنت طفلة رضيعة عند موتها , لكني اعتقد إن روح والدتي ألهمتها تلك الأحلام لكي تكون سببا في لم شملنا , هناك من يعتقد أنها تكذب لكني اعتقد أنها صادقة , لقد اخبرني سوني بأنها أخبرته عن أمور لا يمكن لشخص أخر غير والدتنا بأن يعلم عنها".
في الأسابيع اللاحقة كانت هناك المزيد من الأخبار المفرحة , لقد تلقت جيني اتصالا من فرانك , اصغر أولاد ماري و هو الآن أب لثلاثة أولاد , ثم اتصلت فيلومنا بنت ماري الكبرى التي كانت قد شاهدت التغطية الصحفية للقاء سوني سوتون بشقيقته الصغرى بيتي , كانت فيلومنا هي المفتاح إلى معرفة مصير بنات ماري سوتون , لقد أخبرتهم بأنهن قضين طفولتهن في الملجأ و إن أختها الكبرى ماري ماتت عام 1946 , أما شقيقتها الأخرى بريجيت فقد تزوجت و سافرت إلى استراليا عام 1953 و لم ترها منذ ذلك الحين (أرسل زوجها رسالة فيما بعد اخبرهم أنها ماتت قبل عشرين عام و أن لديها أربعة أطفال) , كما إن فيلومنا ظلت على اتصال مع والدها الذي كان يحرص على زيارتها مع أخواتها في الملجأ حتى عام 1950 حيث انقطعت أخباره و لم تسمع عنه بعد ذلك أبدا.
خلال الأشهر التالية التقت جيني بفرانك و بيتي و كريستي , بالنسبة إلى فرانك و كريستي فأنهما كانا يعتقدان أن روح والدتهم هي التي أرشدت جيني إليهم لكي تكون سببا في لم شملهم , أما فيلومنا فقد آمنت بأن روح أمهم ماري قد انتقلت حقا إلى جسد جيني و كانت تشعر بالطمأنينة و الراحة عندما تكون جيني قريبة منها , اما سوني سوتون فقد كان اشد المؤمنين بأن جيني هي التجسيد الحي لروح والدته ماري , لقد كان اكبر أطفال ماري و الوحيد الذي يملك ذكريات حقيقية عن والدته لذلك كان هو الدليل الأكبر على صدق قصة جيني.
خلال السنوات اللاحقة تم تصوير جيني مع أبناء و بنات ماري سيوتن في العديد من البرامج التلفزيونية , العديد ممن شاهدوا جيني مع العائلة و حديثهم عن ذكريات الماضي امنوا بأن جيني هي التجسد الحي لروح ماري سوتون , لكن هذا لا يعني بالطبع عدم وجود مشككين في قصتها , لكن مهما كانت الحقيقة , فأن جيني و قصتها كانت السبب في لم شمل عائلة فرقها ماضي مأساوي , و ربما تكون الحسرة الوحيدة في قلوبهم أطفال ماري سوتون هي ان قصة جيني لم تقع قبل عشرين أو ثلاثين سنة من وقت حدوثها , عندما كانوا أكثر شبابا , لكنه القضاء و القدر كما يقولون. و رغم وفاة سوني سوتون في نهاية التسعينيات من القرن المنصرم إلا أن قصة جيني كوكيل لازال لها سحرها و تأثيرها على كل من يطلع عليها ليس لغرابتها فحسب و لكن بسبب حجم المشاعر الإنسانية التي رافقتها.

غابة من يريد الانتحار ..غابة اوكيغاهارا باليابان

عند سفوح جبل فوجي المقدس، ذلك المارد الياباني المكلل بالثلوج على مدار العام، تنتشر على مد البصر غابة كثيفة أسمها أوكيغاهارا (Aokigahara ) ،  وتعني "بحر الأشجار"، وهي بالفعل أسم على مسمى، لأنها أشبه ما تكون ببحر متلاطم من قمم الأشجار السامقة التي تشابكت وتداخلت فروعها وأغصانها عبر السنين حتى تحولت إلى مظلة خضراء عملاقة حجبت أشعة الشمس عن القاع المعتم والساكن كسكون الجبانات والمقابر.
جذوع الغابة المتفرعة
هناك في الأسفل، في قاع الغابة المغطى بالطحالب والأوراق، تلوت وتبعثرت الجذوع والجذور المتعطشة لنور الشمس حتى بدت وكأنها وحوش أسطورية تتأهب للانقضاض على عاثري الحظ الذين تقودهم أقدامهم إلى هذه المتاهة العظيمة من الأشجار.
إنها غابة سحرية، تماما كتلك الغابات  المخيفة والموحشة التي سمعتم عنها في القصص الخرافية، أو كتلك التي شاهدتموها في أفلام الرعب الهوليودية. مع فارق أن أوكيغاهارا ليست مجرد خيال .. بل هي حقيقة ماثلة للعيان. كما أن رائحة الموت الثقيلة التي تعبق أجواءها وتنبعث من تربتها وجذوعها وأوراقها ليست طارئة عليها ولا وليدة الحاضر، لكنها ترتبط بماضي مرعب وقاتم بقي عالقا ومحفورا في الذاكرة الجماعية للشعب الياباني حتى اليوم.
غابة العفاريت
اوباستي .. ممارسة قديمة قاسية وعديمة الرحمة كان يفعلها اليابنيون ..
بعض اليابانيون يطلقون على اوكيغاهارا أسما آخر، هو "غابة العفاريت"، وهم لم يطلقوا عليها هذا الاسم لمجرد كونها غابة مظلمة ومخيفة، ولا لأنها خالية تقريبا من الحياة الحيوانية بصورة محيرة وغامضة، فحتى الطيور تتجنبها ولا تعشش فوق أغصانها! .. لكن لا .. ليس هذا هو السبب .. بل هو أمر آخر مرتبط بممارسة يابانية قديمة .. ممارسة قاسية ومؤلمة طواها النسيان منذ عهد بعيد، لكن ذكراها وصرخات ضحاياها ما زالت تتردد في جنبات الغابة الملعونة حتى يومنا هذا.
ففي الماضي، تحديدا في أوقات المجاعات والكوارث التي يعز ويندر فيها الطعام، كان بعض اليابانيون يمارسون تقليد أوباستي (Ubasute )، حيث كانوا يأخذون المرضى والضعفاء وكبار السن من أفراد عائلاتهم إلى اوكيغاهارا لينبذوهم في تلك الغابة المظلمة والموحشة التي تمتد على مساحة 35 كيلومترا مربعا. هذه التضحية البشرية كانت تعني بقاء أفواه أقل لكي يتم إطعامها وبالتالي تزايد احتمالات النجاة من الموت جوعا بالنسبة لبقية أفراد العائلة.
يموتون ببطء في الغابة الموحشة ..
ويقال بأن أولئك المساكين وعاثري الحظ المنبوذين في الغابة كانوا يقضون نحبهم ببطء جوعا و بردا .. أو جراء الخوف والرعب الذي كان يكتنف أجسادهم الهزيلة بسبب بقائهم لوحدهم في ذلك المكان المرعب. ويقال أيضا بأن البعض منهم كان يختصر طريق العذاب مرة واحدة، فكان يجمع أطراف ثيابه ويربطها معا كالحبل ليشنق نفسه بها على أقرب جذع شجرة.
أولئك البؤساء كانوا يموتون وهم في قمة الغضب والشعور بالظلم والحيف، كيف لا وقد جرى نبذهم من قبل أقرب وأعز الناس أليهم .. تصور عزيزي القارئ أن يستدرجك أفراد عائلتك إلى غابة أو صحراء لينبذوك ويتركوك تموت هناك وحيدا .. ماذا سيكون شعورك يا ترى؟ ..
يوري .. اشباح ناقمة وغاضبة ..
حتما سيعصف الغضب بكل ذرة في كيانك .. وستصرخ ألما بلا هوادة بسبب الغدر والظلم الذي حاق بك .. فلا ألم ولا وجع أشد وأفظع و أنكى من وجع قلب وحيد .. مكسور .. مغدور .. صدقني عزيزي القارئ ..
ولهذا السبب بالذات، يؤمن الكثير من اليابانيين بأن أرواح أولئك المنبوذين الغاضبين لازالت تجوب الغابة حتى اليوم على الرغم من مرور قرون طويلة على موتهم، لازالت صرخاتهم الحانقة تشق سكون ليل الغابة البهيم، لقد تحولوا إلى أرواح شريرة تدعى يوري (Yūrei ) ، أرواح تسعى للانتقام من البشر، وويل لعاثر الحظ الذي تطاله مخالب تلك الأرواح الثائرة.
ربما لا تصدق هذا الكلام عزيزي القارئ .. لكن الغابة مسكونة فعلا بطاقة وقوة شريرة غامضة، ففي كل ركن من أركانها .. وفي كل شبر، على كل غصن وفرع، ترك الموت أثرا لا يمحى.
وفي الظلمة، بين الجذوع الموحشة التي ما أبصرت يوما نور شمس أو قمر، مر ملك الموت بهدوئه المعتاد، تتبعه هالة من دخان وسواد، ليستل مزيدا من الأرواح المضطربة .. ففي اوكيغاهارا لا تنضب الجثث أبدا!.

جنة المنتحرين!

صورة حقيقة لشخص انتحر بشنق نفسه على جذع شجرة ..
لماذا يموت الناس في الغابة ؟ .. أو بالأحرى لماذا يأتون ليموتوا فيها .. لا أحد يعلم! .. فمنذ عقود طويلة والناس يأتون بلا انقطاع من جميع أنحاء اليابان لكي ينتحروا في اوكيغاهارا، يقطع بعضهم مئات الأميال بسيارته ليشنق نفسه على جذع شجرة في تلك الغابة المظلمة .. أليس ذلك عجيبا؟!.
الإحصاءات الرسمية تشير إلى أنه ومنذ ستينيات القرن المنصرم كان هناك حوالي مائة شخص ينتحرون سنويا في أوكيغاهارا، هذه النسبة ليست ثابتة طبعا، فهي قد ترتفع وتنخفض من عام إلى آخر. في عام 2004 مثلا انتحر 108 أشخاص داخل الغابة، فيما حاول 247 شخص الانتحار فيها عام 2010 ولم ينجح سوى 54 منهم في قتل أنفسهم. طبعا هذه الأعداد لا تتضمن الجثث التي لم يعثر عليها والتي قد لا يعثر عليها أبدا بسبب كثافة الغابة ووسعتها، فبعض أجزاء الغابة مازالت بكرا لم تطأها قدم إنسان، وهي تحتوي على عدد غير قليل من الكهوف العميقة، ولهذا السبب لا يعثر على جثث المنتحرين عادة إلا بعد مرور فترة طويلة على موت أصحابها، غالبا بعدما تكون قد تفسخت وتحللت بصورة سيئة.
تبقى جثثهم معلقة على الأشجار فترة طويلة..
غالبية المنتحرين في أوكيغاهارا يفضلون الموت شنقا على جذع شجرة، فيما يختار آخرون تناول جرعة زائدة من العقاقير والمخدرات. أغلبهم يأتون بسياراتهم الخاصة التي يتركونها عند أطراف الغابة ولا يعودون أليها أبدا، البعض منهم قد يخيم لعدة أيام قبل أن ينجح في قتل نفسه. والعديد منهم يحمل معه نسخة من كتاب اتارو تسورومي الشهير والمثير للجدل "الدليل الكامل للانتحار"! .. هو كتاب يقدم المساعدة والإرشاد للأشخاص الراغبين في الانتحار عن طريق عرض وسائل مختلفة ومتنوعة لقتل أنفسهم وبيان مقدار الألم والوقت اللازم لكل وسيلة.
تم وضع لافتات في جميع ارجاء الغابة لثني الناس عن الانتحار ..
الحكومة اليابانية حاولت الحد من ظاهرة الانتحار داخل اوكيغاهارا بمختلف الوسائل إلى درجة أنها صارت تمتنع عن نشر الإحصائيات المتعلقة بعدد المنتحرين في الغابة وذلك في محاولة منها لتحجيم شهرة الغابة والتقليل من سمعتها كجنة للمنتحرين. علاوة على ذلك قامت الحكومة بنصب لافتات في طول الغابة وعرضها تحذر الناس من الموت في أوكيغاهارا وتحاول ثني أولئك الراغبين في الانتحار من المضي قدما في مسعاهم بعبارات شتى من قبيل :
"حياتك هدية ثمينة من والديك فلا تهدرها".
"الرجاء راجع نفسك قبل أن تقتلها".
"الرجاء أتصل بالشرطة قبل أن تقوم بقتل نفسك".
"لا داعي لقتل نفسك فجميع المشاكل قابلة للحل".
"إذا مت هنا فستقوم الدببة بالتبرز على جثتك"!.
علاوة على جهود الحكومة ظهرت منذ سبعينيات القرن المنصرم مجموعات دينية وخيرية عديدة تضم متطوعين يجوبون الغابة على مدار الساعة من أجل إقناع الراغبين في الموت بالعدول عن قتل أنفسهم أو من أجل رفع جثثهم المتحللة والمتدلية من على غصون وجذوع الأشجار.

النوم مع الجثث!

انتحر داخل خيمته .. ربما بالسم او جرعة زائدة من المخدرات ..
العثور على الجثث في اوكيغاهارا يعد أمرا روتينيا بالنسبة للموظفين المسئولين عن الغابة، إذا يكاد لا يمر أسبوع من دون أن يعثروا على جثة أو جثتين مرمية هنا وهناك في أرجاء الغابة الواسعة، فيقومون برفع الجثة ويأخذونها معهم إلى المحطة الحكومية المكلفة بحماية وإدارة الغابة. لا تنتهي مهمة الموظفين عند هذا الحد، فعلى أحدهم أن ينام مع الجثة ليلا !! ..
نعم عزيزي القارئ .. صدق أو لا تصدق .. يجب على احد الموظفين أن يمضي ليلته برفقة الجثة.
ولأن الجميع طبعا لا يحبذون النوم مع جثة، خصوصا حينما تكون متحللة ومتعفنة، لهذا دأب الموظفين على الاقتراع فيما بينهم، والخاسر في القرعة عليه أن ينام مع الجثة داخل غرفة خشبية صغيرة لا تحتوي سوى على سريرين، واحد له .. والآخر للجثة.
لكن لماذا يفعلون ذلك ؟ ..
صورة حقيقية .. انتحر شنقا ..
للإجابة على هذا السؤال ربما علينا أن نلقي نظرة خاطفة وسريعة على عقائد ما بعد الموت لدى اليابانيين ..
فاليابانيون يؤمنون بأن لجميع البشر روح، وبأن هذه الروح تتحرر من الجسد بعد الموت لتنتقل إلى عالم البرزخ، وهو مكان للانتظار، أشبه ما يكون بمرحلة انتقالية بين الدنيا والآخرة، هناك تنتظر الأرواح حتى ينتهي أفراد عائلتها من تأدية طقوس التأبين والجنازة، وفي حال أجريت جميع تلك الطقوس بصورة صحيحة ودقيقة طبقا للمعتقدات الدينية، ونال الميت الاحترام الذي يستحقه، فأن الروح ستحرر من البرزخ لتلتحق بأرواح أسلافها، وستصبح حامية لأفراد عائلتها الأحياء، وستزورهم كل عام خلال مهرجان الأرواح.
لكن إذا لم تجري الطقوس كما يجب، أو إذا مات الشخص ميتة عنيفة، كأن يتعرض للقتل أو ينتحر، أو مات وهو غاضب أو ساخط أو حزين .. الخ .. فأن الروح لن تتحرر من البرزخ، وستتحول إلى يوري، وهي أرواح غاضبة تظل تنعق طوال الليل، وبإمكانها الرجوع إلى الدنيا والتأثير في حياة البشر والتلبس بأجسادهم. وللتخلص من اليوري، أو بالأحرى تخليصه من أسباب بقاءه بين الأحياء، يجب أولا إنهاء الأسباب التي تمنعه من المغادرة، كأن يحظى بمراسم الجنازة بصورة صحيحة وأن تحظى جثته بالاحترام اللائق، ولهذا السبب بالذات، وكنوع من الاحترام، ولتحرير روحه ومنحها الراحة والسلام، يقوم موظفو الغابة بالمبيت مع جثث الأشخاص المنتحرين.

لماذا ينتحر الناس في اوكيغاهارا ؟

غابة اوكيغاهارا عند سفوح جبل فوجي ..
هناك الكثير من السياح الذين يزورون أوكيغاهارا سنويا، فالغابة لا تخلو من مناظر طبيعية خلابة في النهار، خصوصا عند أطرافها القريبة من بحيرة سايكو، لكن لا أحد يتجرأ على التوغل في الغابة بعيدا، فمخيمات السياح وقاذوراتهم وتلويثهم للبيئة يكاد يقتصر على الكيلومتر الأول من أطراف الغابة، ولا أحد يجرأ على الذهاب أبعد من ذلك خشية الضياع، فبعد الكيلومتر الأول تكون الغابة ساكنة وموحشة ومتداخلة بشكل يثير رعب أغلب الناس.
وبسبب إعداد السياح والزوار الكبيرة التي تؤم الغابة سنويا، يصعب طبعا معرفة وتمييز من أتى من أجل السياحة والتخييم ومشاهدة المناظر الطبيعية، ومن أتى لجمع عظام الموتى وممارسة السحر، ومن أتى من أجل الانتحار، وبالتالي يصعب على الحكومة والمتطوعين وقف عمليات الانتحار المستمرة منذ عقود طويلة. فتفتيش نوايا الزوار هي مهمة مستحيلة طبعا، لكن عوضا عن ذلك عمد بعض الباحثين مؤخرا إلى البحث والتحري عن الأسباب التي تدفع الناس إلى الانتحار في اوكيغاهارا، لأن تحديد المسببات برأيهم هو السبيل الأمثل لوقف عمليات الانتحار في الغابة.
السياح لا يجرأون على التوغل أبعد من كيلومتر واحد ..
لكن جميع الفرضيات والنظريات التي وضعها الباحثون والأكاديميون فشلت في تقديم سبب مقنع لهوس الناس بالانتحار في أوكيغاهارا ..
البعض عزا تفشي الظاهرة إلى رواية يابانية شهيرة نشرت في ستينات القرن المنصرم تدعى "برج الأمواج" حيث يقوم البطل وحبيبته في نهايتها بالانتحار في غابة اوكيغاهارا. لكن ما يدحض هذه الفرضية هو أن حالات الانتحار كانت موجودة في الغابة حتى قبل صدور هذه الرواية بعقود طويلة.
آخرون يقولون بأن الغابة ذات التربة البركانية والتي تحتوي على رواسب هائلة من الحديد والمعادن تؤثر على طرز تفكير الناس وسلوكهم، تشوشهم وتدفعهم لفعل أمور غريبة كالانتحار، ويستدلون على رأيهم هذا بسلوك البوصلات الغريب داخل الغابة، فالعديد من الناس قالوا بأن بوصلاتهم فقدت صوابها فجأة داخل الغابة ولم تعد قادرة على تحديد الاتجاهات. لكن ضباط جيش الدفاع الياباني الذين دأبوا على إجراء تدريباتهم عند أطراف الغابة يقولون بأن هذه الفرضية محض هراء وأن بوصلات الجيش ومعداته تعمل بصورة جيدة ودقيقة داخل الغابة كما خارجها.  
هل للأمر علاقة بترسبات التربة ؟ ..
هناك آخرون يقولون بأن ظاهرة الانتحار هي مشكلة عامة في اليابان ولا تتعلق بغابة اوكيغاهارا فقط، فاليابان أصلا من بين الدول ذات المعدلات الأكثر ارتفاعا في نسب الانتحار. والحكومة اليابانية تحاول بكل وسيلة وطريقة منذ أعوام أن تثني الناس عن الانتحار من دون جدوى، فالانتحار برأي البعض جزء من الثقافة اليابانية. في الماضي كان محاربو الساموراي ينتحرون علنا بسيوفهم للحفاظ على شرفهم، وأشهر انتحاريي العالم في العصر الحديث هم الكاميكازي اليابانيون الذين كانوا يلقون طائراتهم وأنفسهم فوق المراكب والبوارج الحربية الأمريكية خلال الحرب العالمية الثانية.
لكن الباحث الياباني إسوزا هايانو، يرى بأن ارتفاع معدل الانتحار لا يفسر لماذا يختار كل هؤلاء الناس هذه الغابة النائية للانتحار فيها، لماذا يقطعون كل هذه المسافات للانتحار هنا ؟! .. هذا هو السؤال الذي حاول هايانو العثور على إجابة له خلال 30 عاما قضاها في دراسة اوكيغاهارا ، جاب خلالها أرجاء الغابة، وأكتشف بنفسه أكثر من مائة جثة لأناس منتحرين، لكنه عاد في النهاية خالي الوفاض، فبعد كل تلك السنوات من الدراسة والبحث لم يجد الرجل أي سبب مقنع يدفع كل أولئك الناس للانتحار في الغابة.
غابة مسكونة ! ..
ما الذي يجري أذن ؟ .. لماذا يستمر الناس بالانتحار في اوكيغاهارا ؟ ..
بعض الروحانيون يجيبون ببساطة قائلين بأن الغابة مسكونة، فبعد قرون طويلة من الغضب والحزن والألم والانتحار، أصبحت الأشباح والعفاريت تجول وتصول في جميع أرجاء الغابة، تلبست بالجذوع والأغصان، واختلطت بالأرض المشبعة بالعظام والجماجم..
تلك الأرواح الغاضبة كانت ولا تزال تبحث عن الانتقام، وقد وجدت ضالتها في البشر الذين يزورون الغابة لأغراض شتى، وهكذا فأن الكثيرين ممن عثر على جثثهم في الغابة لم يأتوا أليها أصلا لغاية الانتحار، لكن الغابة أبتلعتهم، لوثت عقولهم، تلبست أجسادهم، منعت عنهم طريق العودة، أحاطتهم بأغصانها وجذوعها ودفعتهم دفعا إلى نهايتهم المفجعة ..

المصادر:
..................

1- Aokigahara From Wikipedia the free encyclopedia
2- The Suicide Woods of Mt. Fuji
3- Inside Japan's 'Suicide Forest'
4- Aokigahara: Japan's Haunted Forest of Death
5- The suicide forest of Japan