الثلاثاء، 26 فبراير 2013

هاروت وماروت وتعليم السحر

عندما قررت ان ابحث عن القصة الحقيقة لهاروت وماروت  وجدت العديد من القصص عنهما
ومنها هذه الرواية :-

(لما أهبط الله آدم عليه السلام إلى الأرض قالت الملائكة:
أي ربنا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك
قال:
إني أعلم ما لا تعلمون
قالوا:
ربنا نحن أطوع لك من بني آدم
قال الله تعالى للملائكة:
هلموا ملكين من الملائكة حتى نهبطهما إلى الأرض فتنظروا كيف يعملان
قالوا:
ربنا هاروت وماروت..وفي رواية (أعزراو) أو (عزا) وهو (هاروت) و(عزبيا) وهو (ماروت)..
-وإنما غيرت أسماؤهما إلى هاروت وماروت بعدما اقترفاه من الإثم..تماما كإبليس اللعين وكان اسمه (عزازيل) قبل أن يعصى الله-..
فأهبطا إلى الأرض..
ومثلت لهما الزهرة امرأة من أحسن البشر..
فجاءتهما فسألاها نفسها قالت:
لا ..حتى تتكلما بهذه الكلمة من الإشراك
فقالا:
لا والله لا نشرك بالله شيئا أبدا
فذهبت عنهما ثم رجعت بصبي تحمله
فسألاها نفسها فقالت:
لا..حتى تقتلا هذا الصبي
فقالا:
لا والله لا نقتله أبدا
فذهبت ثم رجعت بقدح خمر تحمله
فسألاها نفسها فقالت:
لا..حتى تشربا هذا الخمر
فشربا حتى سكرا..
فوقعا عليها وقتلا الصبي..
فلما أفاقا قالت المرأة:
والله ما تركتما شيئا مما أبيتماه إلا فعلتماه حين سكرتما
فلما أن أفاقا جاءهما جبريل عليه السلام من عند الله عز وجل وهما يبكيان فبكى معهما..
وقال لهما:
ما هذه البلية التي أجحف بكما بلاؤها وشقاؤها؟
فبكيا فقال لهما:
إن ربكما يخيركما بين عذاب الدنيا..وأن تكونا عنده في الآخرة في مشيئته..
إن شاء عذبكما وإن شاء رحمكما وإن شئتما عذاب الآخرة..
فعلما أن الدنيا منقطعة وأن الآخرة دائمة وأن الله بعباده رءوف رحيم..
فاختارا عذاب الدنيا وأن يكونا في المشيئة عند الله>>
فهما ببابل فارس معلقين بين جبلين في غار تحت الأرض يعذبان كل يوم طرفي النهار إلى الصيحة..
ولما رأت ذلك الملائكة خفقت بأجنحتها في البيت ثم قالوا:
اللهم اغفر لولد آدم..
عجبا كيف يعبدون الله ويطيعونه على ما لهم من الشهوات واللذات
فاستغفرت الملائكة بعد ذلك لولد آدم..
فذلك قوله سبحانه (والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض) الشورى(5)
  والان دعونا نبحث عن القصة الحقيقية لهذين الملكين..
وللحق فقد بحثت طويلا في كتب التفاسير ومواقع الإنترنت..
ووجدت العديد من الروايات المختلفة التي تروي قصة الملكين..
منها ما يتوافق مع العقل والمنطق والنص القرآني الذي لا يشوبه التحريف..
ومنها ما يشتط..
وها أنا أعرض عليكم في السطور التالية نتائج بحثي هذا..
سأتناول هنا كل الروايات التي قيلت في هذه القصة..
وسأعرض عليكم أقوال المؤيدين والمعارضين..
وكالعادة سأترك الحكم لكم في النهاية..
وها هو ما وجدت..

...................................................................................
يقول الله تعالى في سورة البقرة:
وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (102)
.................................................................................................
سبب نزول هذه الآية:
يقول ابن كثير في تفسيره:
(وسبب ذكر قصة (هاروت وماروت) في القرآن الكريم أن يهود المدينة كانوا لا يسألون النبي محمدا صلى الله عليه وسلم عن شيء من التوراة إلا أجابهم عنه..فسألوه عن السحر فأنزل الله تعالى هذه الآية ..
وقال بعض السلف أنه لما ذكر نبي الله سليمان عليه السلام في القرآن قالت يهود المدينة :
ألا تعجبون لـ(محمد) يزعم أن ابن (داوود) كان نبيا ؟! والله ما كان إلا ساحرا يركب الريح ..
فأنزل الله هذه الآية ليكذب أقوالهم وليبرأ نبيه الكريم سليمان بن داوود عليهما السلام مما ينسبونه إليه..)
................................................................................................
لوح بابلي
بدون كثير إطناب لا طائل من ورائه فقد وجدت روايات متعددة
وبدون تدخل مني سأعرضها عليكم تاركا الحكم لكم..وإحدى الروايات مفادها ما يلي:
يقول ابن كثير في تفسيره:
(أخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا يحيى بن أبي بكير عن زهير بن محمد عن موسى بن جبير عن نافع عن ابن عمر : أنه سمع رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول :
( إن آدم لما أهبط إلى الأرض قالت الملائكة :
أي رب أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك
قال:
إني أعلم ما لا تعلمون
قالوا :
ربنا نحن أطوع لك من بني آدم
قال الله لملائكته :
هلموا ملكين من الملائكة فننظر كيف يعملان
قالوا :
ربنا هاروت وماروت
فركب الله فيهما الشهوة ثم أهبطا إلى الأرض
قال :
فمثلت لهم الزهرة امرأة من أحسن البشر فجاءاها فسألاها نفسها فقالت :
لا..حتى تكلما بهذه الكلمة من الإشراك..
وفي رواية (حتى تعبدا ما أعبد وتصليا له)-وكانت تعبد صنما من دون الله-
قالا :
والله لا نشرك بالله أبدا
فذهبت عنهما ثم رجعت بصبي تحمله فسألاها نفسها فقالت :
لا..حتى تقتلا هذا الصبي
فقالا :
لا والله لا نقتله أبدا
فذهبت ثم رجعت بقدح من خمر تحمله فسألاها نفسها فقالت :
لا..إلا أن تفعلا ما طلبته منكما
فقالا:
الصلاة لغير الله أمر عظيم..وقتل النفس أمر عظيم..فلا سبيل إلى ما أمرتنا به فإن الله قد نهانا عن كل ذلك
فقالت:
إذن فلتشربا الخمر
قالا:
أهون الثلاثة شرب الخمر
فشربا فسكرا فوقعا عليها وقتلا الصبي وسجدا للصنم..
فلما أفاقا قالت المرأة :
والله ما تركتما من شيء أثيم إلا فعلتماه حين سكرتما
فخيرا عند ذلك بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة فاختارا عذاب الدنيا لأنها زائلة والآخرة باقية..
وهما موجدان بوادي بابل معلقان من أرجلهما يعذبان طرفي النهار..
أشتهر البابليون بممارسة السحر .. خصوصا في مجال التنجيم والأبراج والفلك
وفي رواية:
فعوقبا بسبب ذلك بأن حبسا في بئر ببابل منكسين وابتليا بالنطق بعلم السحر فصار يقصدهما من يطلب ذلك فلا ينطقان بحضرة أحد حتى يحذراه وينهياه فإذا أصر تكلما بذلك ليتعلم منهما السحر فيتعلم منهما ما قص الله عنهما والله أعلم..
فكانا يعلمان السحر في بابل وكانا يقولان لمن جاءهما (إنما نحن فتنة فلا تكفر) فإن أبى أن يرجع قالا له:
ائت هذا الرماد فبل فيه
فإذا بال فيه خرج منه نور يسطع إلى السماء وهو الإيمان ثم يخرج من الرماد دخان أسود يدخل في أذنه وهو الكفر..)
ويروى أن امرأة أتت عائشة رضي الله عنها فقالت:
زوجي انصرف عني وزهد في وخلاني وحيدة وذهب ليتزوج بأخرى.. فجئت جارتي العجوز أشكو لها حالي.. فقالت لي:
إن تفعلي ما آمرك به فسوف يأتيك محبا عاشقا..
فوافقت بلا تردد..فذهبت ثم جاءت بالليل ومعها كلبان أسودان ضخمان فركبت واحدا وأمرتني بركوب الآخر..
ثم انطلقنا في غياهب الظلمات لا أدري أين نحن..وإذا بوادي فيه رجلين معلقين من قدميهما..
فقالت لي رفيقتي :
تقدمي وإن سألاك مرادك فقولي جئت أتعلم السحر..وإن نازعاك فأثبتي
فتقدمت وقال لي أحدهما:
لم جئت؟
قلت:
لأتعلم السحر
فقال لي:
اذهبي إنما نحن فتنة..فارجعي ولا تكفري
فقلت:
لا إني أريد أن أتعلم السحر
فقال:
فاذهبي خلف ذلك التنور فبولي على الرماد هناك..
فذهبت..ولما وصلت هناك خفت ورجعت فقالا لي:
ماذا رأيت؟
قلت:
لم أر شيئا
فقالا لي:
كذبت فارجعي ولا تكوني من الكافرين
فتذكرت هجران زوجي..فتشجعت وقلت:
لا إني أريد أن أتعلم السحر
فقالا لي:
فاذهبي وبولي هناك
فذهبت وبلت..فلما رجعت قالا لي:
أفعلت؟
فقلت:
نعم
قالا:
فماذا رأيت؟
قلت:
رأيت فارسا منيرا يخرج منى حتى وصل الى عنان السماء ثم اختفى ولم أراه
فقالا لي:
صدقت..فهذا هو إيمانك قد خرج منك (
وفي رواية:
(وإذا برجل مر بهما فلما رآهما فزع منهما فقال:
لا اله إلا الله
فقالا:
لا اله إلا الله..من أي أمة الرجل؟
قال:
رجل من أمة محمد صلى الله عليه وسلم
فقالا:
أبعث محمدا؟؟
قال:
نعم
فاستبشرا وفرحا فقال لهما:
لم فرحتما؟
فقالا:
لأنه قد بعث نبي الساعة وسوف يزول عنا العذاب)
....................................................................................................
هذا ما تبقى من باب .. فهل لازال الملكين يتعذبان بين اطلال هذه الخرائب ؟!
وهاكم رواية أخرى وجدتها مذكورة نصا في تفسير الطبري:
(إن الملائكة لما رأوا ما يصعد إلى السماء من أعمال بني آدم الخبيثة في زمن (إدريس) -عليه السلام-عيروهم بذلك وأنكروا عليهم وقالوا لله:
إن هؤلاء -الذين جعلتهم خلفاء في الأرض واخترتهم- يعصونك.
فقال تعالى:
لو أنزلتكم إلى الأرض وركبت فيكم ما ركبت فيهم لفعلتم مثل ما يفعلون
قالوا:
سبحانك ربنا ما كان ينبغي أن نعصيك.
قال الله تبارك وتعالى:
اختاروا ملكين من خياركم أُهبطهما إلى الأرض.
فاختاروا هاروت وماروت..وكانا من أصلح الملائكة وأعبدهم..
فركب الله فيهم الشهوة التي ركبها في بني آدم وأَهبطهم إلى الأرض..
وأمرهم أن يحكموا بين الناس بالحق..ونهاهم عن الشرك والقتل بغير الحق والزنا وشرب الخمر..
فثبتا على ذلك يقضيان بين الناس يومهما..
فإذا أمسيا ذكرا اسم الله الأعظم وصعدا إلى السماء..
فما مر عليهما شهر حتى افتتنا..
وذلك أنه اختصمت إليهما ذات يوم امرأة تسمى (الزهرة) وكانت من أجمل النساء وكانت ملكة في قومها بفارس.. فلما رأياها أخذت بقلبيهما فراوداها عن نفسها فأبت- وقالت مثل ما قالت في الرواية الأولى إلى أن عرضت عليهما الخمر- فرفضا ثم قالت:
لا تدركاني حتى تعلماني الذي تصعدان به للسماء..
فقالا:
نصعد باسم الله الأعظم
فقالت:
فما أنتما بمدركي حتى تعلمانيه
فقال أحدهما لصاحبه:
علِّمها
فقال:
إني أخاف الله
فقال الآخر:
فأين رحمة الله؟
فعلماها ذلك فتكلمت به..فصعدت للسماء..
فمسخها الله كوكبا..
فهو كوكب (الزهرة)..
وخير الملكين بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة فاختارا عذاب الدنيا.)
.....................................................................................................
يقول المعارضون لتلك الروايتين:

1- لايمكن أن يوجد من الملائكة من يعصى الله ويشرب الخمر ويقتل ويرتكب الفاحشة بل ويعلم الناس السحر..فالملائكة قال فيهم الله سبحانه وتعالى:
(لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) التحريم (6)
وأن الله قد أمرهما بتعليم الناس السحر اتقاء لشره وليس لاستخدامه فيما يغضب الله كمن يتعلم دراسة السموم اتقاء لشرها
في حين يقول المؤيدون لتلك الرواية:
1- هاروت وماروت نزلا ليظهرا للناس الفرق بين السحر المطلوب تجنبه وبين المعجزة التي هي دليل نبوة الأنبياء عليهم السلام فكانا يعلمان تعليم إنذار لا تعليم تشجيع له كأن يقولا: لا تفعل كذا كما لو سأل سائل عن صفة الزنا أو القتل فأُخبر بصفته ليجتنبه أو يقولا: فلا تكفر أي فلا تتعلم السحر معتقدا أنه حق فتكفر
2- إن عصيانهما لله لا ينفي كونهما ملكين من الملائكة من عدة وجوه أهمها:
أ- نص آية سورة التحريم من بدايتها:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)
وهذا معناه أن الملائكة المذكورين في هذه الآية هم الملائكة الموكلين بالنار (أي الزبانية) وليس عموم الملائكة..
ب- أن هذين الملكين سبق في علم الله لهما هذا فيكون تخصيصا لهما فلا تعارض حينئذ..
مثلما سبق في علمه من أمر إبليس ما سبق..مع أن شأن هاروت وماروت على ما ذكر أخف مما وقع من إبليس لعنه الله
ج-يقول ابن حجر الهيتمي في (الزواجر):
(إن عصمة الملائكة دائمة ما داموا بوصف الملائكة أما إذا انتقلوا إلى وصف الإنسان فلا)
3- كون ابن كثير يقول إنه حديث غريب فهذا ليس معناه أنه ضعيف حيث أنه استطرد قائلا:
(ورجاله كلهم ثقات)..
ثم إن راوي الحديث الأساسي هو عبد الله بن عمر رضي الله عنهما
..................................................................................................
السبي البابلي لليهود .. الكثير من الاسرائيليات مصدرها الاساطير البابلية
انتهت أولى الروايات على اختلاف ألفاظها ولكن اتفاقها ضمنيا..
والآن مع ثانية الروايات:
وجدت في تفسير الطبري أن ابن جرير ذهب إلى أبعد من ذلك حيث زعم أنهما ليسا (ملكين) بفتح اللام بل (ملكين) -بكسر اللام-من ملوك بابل من البشر وأن الله قد امتحنهما بذلك..
يقول الطبري في تفسيره (جامع البيان في تفسير القرآن) :
( يعنـي بقوله: { واتّبَعُوا ما تَتْلُوا الشّياطِينُ } الفريق من أحبـار الـيهود وعلـمائها الذين وصفهم الله جل ثناؤه بأنهم نبذوا كتابه الذي أنزله علـى موسى عليه السلام وراء ظهورهم تـجاهلا منهم وكفرا بـما هم به عالـمون كأنهم لا يعلـمون..فأخبر عنهم أنهم رفضوا كتابه الذي يعلـمون أنه منزل من عنده علـى نبـيه عليه السلام ونقضوا عهده الذي أخذه علـيهم فـي العمل بـما فـيه وآثروا السحر الذي تلته الشياطين على ملك سلـيـمان بن داود فـاتبعوه وذلك هو الـخسران والضلال الـمبـين)..
فتأويل الآية على هذا { وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ } من السحر وما كفر سليمان ولا أنزل الله السحر على الملكين ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت فيكون قوله: ببابل هاروت وماروت من المؤخر الذي معناه المقدم
فإن قال لنا قائل:
كيف وجه تقديم ذلك؟
قيل:
وجه تقديمه أن يقال:
{ وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ } من السحر وما كفر سليمان وما أنزل الله السحر على الملكين ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت فيكون معنيا بالملكين جبريل وميكائيل عليهما السلام لأن سحرة اليهود فيما ذكرت كانت تزعم أن الله أنزل السحر على لسان جبريل وميكائيل إلى سليمان بن داود فأكذبهم الله بذلك وأخبر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن جبريل وميكائيل لم ينزلا بسحر وبرأ سليمان عليه السلام مما نحلوه من السحر وأخبرهم أن السحر من عمل الشياطين وأنها تعلم الناس ذلك ببابل وأن الذين يعلمانهم ذلك رجلان: اسم أحدهما هاروت واسم الآخر ماروت فيكون هاروت وماروت على هذا التأويل ترجمة عن الناس..
وبهذا فقد وجب طبقا للآية أن تكون الشياطين هي التـي تعلـم هاروت وماروت السحر وتكون السحرة إنـما تعلـمت السحر من هاروت وماروت عن تعلـيـم الشياطين إياهما..
فالقرآن أنكر نزول أي ملك إلى الأرض ليعلم الناس شيئا من عند الله غير الوحي إلى الأنبِياء..
ونص بذلك نصوصا صرِيحة مفادها أن الله لم يرسل إلا الإنس لتعليم بني نوعهم فقال:
(وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) [الأنبياء:7]
وقال منكرا طلب إنزال الملك:
(وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ) [الأنعام:8]
وقال في سورة الفرقان:
(وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا)
إلى قوله:
(فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً)[الآيات:7-9]
وقد قرأ ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير والزهري الملكين بكسر اللام)
...........................................................................................
الآثار البابلية لم تذكر أي شيء عن الملكين هاروت وماروت
انتهى كلام الطبري..وهو ببساطة يريد أن يقول:
1- السحر لم ينزل على الملكين (جبريل وميكائيل) ولم ينزل على الملكين (داود وسليمان). .
2- أصل السحر من الشياطين
3- أول مكان انتشر فيه السحر هو بابل (وهذا يتوافق مع الدراسات التاريخية)
4- هاروت وماروت رجلان من الملوك كانا مقيمين ببابل تعلما السحر من الشياطين وعلماه الناس بعد ذلك.. وكانا يحذران الذين يتعلمون السحر على أيديهما أنه عمل يؤثر على عقيدة ممارسه لأنه يؤدي إلى الكفر..
يقول المعارضون:
1-التاريخ لم يذكر أبدا وجود ملكين بهذين الاسمين قد حكما بابل في أي عصر من العصور وهذا يتنافى مع كونهما بشرا ولا ريب أنهما لو كانا بشرا لطبقت شهرتهما الآفاق كونهما أول من علم الناس السحر ولذكرهما التاريخ..
2-يفترض أن يتمثل الملكان في صورة بشرية وذلك لقوله تعالى في الآية (9) من سورة الأنعام:
(ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون)
وقد صح في السنة أن جبريل عليه السلام كان يأتي أحيانا في صورة دحية الكلبي
وهنا نجد الفيلسوف الشهير ابن حزم الأندلسي قد ذهب لأبعد من ذلك حيث زعم أن هاروت وماروت من ملوك الجن وليس البشر..من قوله (ما تتلوا الشياطين)..ومعلوم أن هناك شياطين من الإنس وشياطين من الجن..
وذلك ردا على المعارضين لذلك التفسير..
.......................................................................................
والآن دعوني أعرض عليكم الرواية التي أرى أنها أدق الروايات بلا جدال..
فأعيروني أسماعكم دام فضلكم..
........................................................................................
قال ابن كثير والطبري وغير واحد من المفسرين:
(عن شهر بن حوشب قال : لما سلب سليمان عليه السلام ملكه* كانت الشياطين تصعد إلى الفضاء فتصل إلى الغمام والسحاب حيث يسترقون السمع من كلام الملائكة الذين يتحدثون ببعض ما سيكون بإذن الله في الأرض من موت أو أمر أو مصائب فيأتون الكهنة الكفار الذين يزعمون بأنهم يعلمون الغيب ويخبرونهم بما سمعوا..
فتحدث الكهنة الناس به فيجدونه كما قالوا..
فلما ركنت إليهم الكهنة أدخلوا الكذب على أخبارهم فزادوا مع كل كلمة سبعين كلمة..
وكانت الشياطين تكتب السحر في غيبة سليمان فيكتبوا مثلا:
(من أراد أن يأتي كذا وكذا فليستقبل الشمس وليقل كذا وكذا ومن أراد أن يفعل كذا وكذا فليستدبر الشمس وليقل كذا وكذا..)
فلما ينتهوا يجعلوا عنوانه:
هذا ما كتب آصف بن برخيا عن الملك سليمان بن داود من ذخائر كنوز العلم
وفشا في بني إسرائيل أن الجن والشياطين يعلمون الغيب والعياذ بالله..
فلما استعاد سليمان ما وهبه الله بعث جنوده وجمع تلك الكتب فجعلها في صندوق ثم دفنها تحت كرسيه..
ولم يكن أحد من الشياطين يستطيع أن يقترب من الكرسي وإلا احترق..
وقال سليمان عليه السلام:
لا أسمعن أحدا يذكر أن الشياطين يعلمون الغيب إلا ضربت عنقه
وكانت الشياطين مغتاظة من سليمان لأن الله أعطاه سر التحكم فيهم..فكانوا يطيعونه مع كفرهم حيث كانوا يخدمونه يعملون له أعمالا شاقة كما بين القرآن..
ولما مات سليمان وقل عدد العلماء الذين عرفوا ماذا فعل سليمان بكتب السحر وأنه دفنها تحت كرسيه ومضى جيل وأتى غيره تمثل إبليس في صورة إنسان ثم أتى جماعة من بني إسرائيل فقال لهم:
هل أدلكم على كنز لا ينفد بالأخذ منه؟
قالوا:
نعم
قال:
إن سليمان لم يكن نبيا إنما كان ساحرا فاحفروا تحت كرسيه
فاعترض المسلمون وغضبوا وقالوا:
بل كان سليمان نبيا مسلما مؤمنا
وعاود إبليس الكرة مرارا حتى صدقه بعضهم من ضعاف النفوس وذهب معهم وأراهم المكان ووقف غير بعيد لا يستطيع الاقتراب وإلا احترق.. فقالوا له:
اقترب يا هذا
فقال:
لا ولكنني ها هنا بين أيديكم فإن لم تجدوا الصندوق فاقتلوني
فحفروا فوجدوا الصندوق وأخرجوا تلك الكتب..فلما أخرجوها قال إبليس اللعين:
ما تم لسليمان ملكه إلا بهذا السحر وبه سخر الجن والإنس والطير والريح
فقال الكفار:
لقد كان سليمان ساحرا..هذا سحره به كان يأمرنا وبه يقهرنا
ثم طار إبليس وفشا بين الناس أن سليمان كان ساحرا والعياذ بالله وكذلك صاحبه وكاتبه آصف بن برخيا الذي جلب له عرش بلقيس بكرامة أكرمه الله بها (الذي عنده علم من الكتاب)-وسيكون لي مقال مع هذه القصة بإذن الله-
وأخذ كفار بني إسرائيل يعملون بما في تلك الكتب..
والحق أن السحر ليس من عمل الأنبياء ولا الأولياء وما كفر سليمان لأنه نبي من عند الله منزه عن الكبائر وصغائر الخسة وعن كل القبائح والرذائل فضلا عن أنه منزه عن الكفر..
فلما كثر السحرة الذين تتلمذوا على أيدي الشياطين وادعوا النبوة وعلم الغيب وتحدوا الناس بالسحر أنزل الله ملكين من ملائكته الكرام وهما هاروت وماروت ليعلما الناس ما هو السحر فيتمكنوا من تمييز السحر من المعجزة التي هي دليل نبوة الأنبياء عليهم السلام..
ويتبين كذب السحرة في دعواهم النبوة ولكي لا يلتبس على بعض الناس حالهم فإن السحر يعارض بسحر أقوى منه -فقد يبطل السحر ساحر آخر-..
وفيه التمويه والتخييل على الناس وخدع وشعوذات..
ومن جهة أخرى هو نوع من خدمة الشياطين للسحرة لأن الشياطين أجسام خفيه لا يراها الناس ويكون السحر أحيانا بوضع تركيبة من مواد معينة تجمع وتحرق ويتخذ منها رماد وحبر ويقرأ عليها كلمات وأسماء ثم تستعمل في ما يحتاج إليه من السحر..
وأما المعجزة فهي أمر خارق للعادة لا يعارض بالمثل يظهر على يد النبي وقد يكون مقرونا بالتحدي..
فكانا يعلمان تعليم إنذار لا تعليم تشجيع له كأن يقولا:
لا تفعل كذا-كما لو سأل سائل عن صفة الزنا أو القتل فأُخبر بصفته ليجتنبه-
لذلك كانا يستدركان قائلين:
فلا تكفر
أي فلا تتعلم السحر معتقدا أنه حق يجلب الخير أو يدفع الضرر فتكفر
كما كانا يعلمان الناس كيفية اتقاء شرور السحر إن سحروا..
وكانا لا يعلمان أحدا حتى ينصحاه بأنهما جعلا ابتلاء واختبارا قائلين:
إنما نحن ابتلاء من الله وفتنة فمن تعلم منا السحر واعتقده وعمل به كفر ومن تعلم وتوقى عمله ثبت على الإيمان..
وبين الله في القرآن أن الملكين أقصى ما يعلمانه هو كيف يتم التفريق بين الرجل وزوجته..وأن ضرر ذلك لا يكون إلا بمشيئة الله لأن الله تعالى هو الذي يخلق النفع والضرر..
ثم أثبت تعالى أن من يتعلم السحر ويرتكبه فهو ضرر عليه ويعود عليه بالوبال.
وهاروت وماروت ملكان كريمان من ملائكة الله الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون..
فلا صحة أبدا للقصة التي تقول إن هاروت وماروت ملكان التقيا بامرأة جميلة ففعلا معها الفاحشة فهذا الكلام كفر بين وفيه تكذيب للقرآن الكريم.
فليحذر الناس من مثل هذه القصص المكذوبة والمفتراة على دين الله وأنبيائه وملائكته..
والخلاصة: أن الله تعالى إنما أنزلهما ليحصل بسبب إرشادهما الفرق بين الحق الذي جاء به سليمان وأتم له الله به ملكه وبين الباطل الذي جاءت الكهنة به من السحر ليفرق الناس بين المعجزة والسحر..
وكل ما عدا ظاهر القرآن في حال هذين الملكين فهو من الأكاذيب يردها ما ثبت من عصمة الملائكة على وجه العموم دون ورود استثناء لهذا لأصل العام كما قال تعالى:
( وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ) الأنبياء/26-28 .
وقد روي في قصة هاروت وماروت عن جماعة من التابعين كمجاهد والسدي والحسن البصري وقتادة وأبي العالية والزهري والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان وغيرهم وقصها خلق من المفسرين من المتقدمين والمتأخرين وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى..
وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا إطناب فيها فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراده الله تعالى والله أعلم بحقيقة الحال)
.........................................................................................
انتهى كلام ابن كثير..
وإن كان لي أن أدلي بدلوي في هذا الموضوع فسأقول:
يبدو أن بابل قد بلغت مبلغا عظيما في علوم السحر وهذا مؤشر على انحراف مسار الحضارة البابلية..
وقد تجلت رحمة الله تعالى بإنزال ملكين لمواجهة ذلك الشر المستطير..وتمثل الملكان في صورة بشرية كما أسلفت بالدليل..
وواضح من النص الكريم أن مهمة الملكين تمثلت في تعليم الناس أمورا تتعلق بالسحر الذي استفحل شره في بابل..
وبما أنهما ملكان وبما أن ما يعلمانه منزل عليهما فلا بد إذن أن يكون أمرا إيجابيا..
والأقرب للمنطق أن يكون هذا العلم يتعلق بمضادات السحر من أجل إبطاله..
وبذلك لا نحتاج إلى لي عنق النص لأن هذا هو ظاهر النص واللائق بمقام الملائكة وما ينزل عليهم...
وهنا قد يقول قائل:
كان يمكن أن ينزل هذا العلم المتعلق بإبطال السحر على نبي من الأنبياء فلماذا أنزل على ملكين متجسدين في الصورة البشرية ؟
والجواب على ذلك يتلخص في كون الأمر لا يناسب مقام النبوة والرسالة لأن الكفار قد درجوا على اتهام الأنبياء والرسل بممارسة السحر بل لقد خلط أهل الكفر بين المعجزة والسحر..
من هنا وحتى لا تكون الشبهة وحتى لا يتم الخلط تم تجنيب الرسل الخوض في مضادات السحر -التي تحتم الخوض في السحر-..
وواضح من النص الكريم أن الملكين يخلصان النصيحة لكل من تعلم مضادات السحر ويظهر ذلك جليا في استخدام (ما ومن) في قوله تعالى: (وما يعلمان من أحد)..
وهذا الحرص منهما يدل على خطورة الأمر وحساسيته..وتظهر هذه الخطورة في إمكانية انحراف المتعلم وانخراطه في أمور السحر لذا كانت النصيحة المشددة: (إنما نحن فتنة فلا تكفر) قبل البدء في التعليم..
وهنا قد يتساءل أحدكم:
من أين تأتي الخطورة وإمكانية الانحراف وهما يعلمان الناس مضادات السحر وكيفية الوقاية منه؟!
وأجيب قائلا إن تعليم المضادات للسحر يقتضي التعريف بحقيقة السحر أولا ثم تعليم أنواع المضادات لهذا السحر..ومن هنا يصبح المتعلم ملما بأساليب السحر وأنواعه كما هو الأمر في الصيدلي أو الطبيب الذي يتعلم أنواع السموم ومضاداتها.
من هنا لابد من التذكير الدائم والوصية المتكررة -لأن المتعلم أصبح قادرا على ممارسة السحر بعد تعلمه لمضاداته -ومثل هذه الإمكانيات تغري النفوس غير القوية بالانحراف وممارسة السحر والكفر..
وبعد أن تؤدى النصيحة ويتم التحذير المشدد يتم تعليم ألوان من السحر وعلى وجه الخصوص الكيفية التي يتم بها التفريق بين المرء وزوجه..
أما لماذا كان التركيز على أمر التفريق بين المرء وزوجه فلا شك أن ذلك من أشر الشرور فقد صح في الحديث الشريف أن إبليس يقرب من أتباعه من يستطيع أن يوسوس للزوجين بما يفضي إلى طلاقهما..
كما أن التفريق بين الأزواج هو من أهم مقاصد السحر والسحرة فحيث تكون المودة والرحمة والسكينة يكون الخير..وما السحر إلا محض شر..
وأتوقف عند قوله تعالى:
(وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ)
وهذه حقيقة ينبغي أن تكون ماثلة دائما في ضمير المؤمن فلا يكون في هذا الكون شيء إلا بإذنه تعالى..فليكن التوجه أولا وأخيرا إلى الله تعالى..
وأيضا:
(ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم)
وهذا يدل على أن السحر لا علاقة له بالنفع بل كله يتعلق بالمضرة ويخلو من المنفعة..
من هنا كانت ممارسة السحر من أكبر الكبائر..ولو كان في السحر بعض الجوانب النافعة لأمكن عقلا أن يأذن الشرع بممارسة هذه الجوانب..أما تعلم مضادات السحر فلا تتعلق بالمنفعة وإنما بدفع المضرة..من هنا كانت وصية الملكين مشددة لكي لا ينزلق المتعلم في متاهات السحر ولكي يسخر علمه في دفع الضرر.
وقد يتوهم البعض أن المقصود بقوله تعالى:
(ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم)
أنهم كانوا يتعلمون ما يضر فقط وهذا الفهم خاطئ لعدة أمور منها:
أولا: لم يثبت أن للسحر جوانب نافعة..
ثانياً: لا يعقل أن يتعلموا ما يضرهم فقط ويتركوا تعلم ما ينفعهم لأن ميل الإنسان إلى جلب المنفعة لنفسه أقوى من ميله إلى إلحاق الضرر بغيره..
فقد قال تعالى (يضرهم) ولم يقل (يضر غيرهم) والعقل يقول إن الإنسان لا يتعلم كيف يضر نفسه ويهمل ما ينفعها..
هذا والله أعلى وأعلم...
.......................................................................................................

*هوامش:
.................

قصة ابتلاء الله لنبيه سليمان عليه السلام: (تفسير ابن كثير)
قال تعالى:
}وَلَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىَ كُرْسِيّهِ جَسَداً ثُمّ أَنَابَ * قَالَ رَبّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاّ يَنبَغِي لأحَدٍ مّن بَعْدِيَ إِنّكَ أَنتَ الْوَهّابُ }ص (34و35)
وحقيقة هذه الفتنة ما ذكره الفخر الرازي..قال:
(إن سليمان ابتلي بمرض شديد حار فيه أطباء الإنس والجن.. وأحضرت له الطيور أعشابا طبية من أطراف الأرض فلم يشف وكل يوم كان المرض يزيد عليه حتى أصبح سليمان إذا جلس على كرسيه كأنه جسد بلا روح.. كأنه ميت من كثرة الإعياء والمرض..واستمر هذا المرض فترة أربعين يوما كان سليمان فيها لا يتوقف عن ذكر الله وطلب الشفاء منه واستغفاره وحبه..وانتهى امتحان الله تعالى لعبده سليمان وشفي سليمان..وعادت إليه صحته بعد أن عرف أن كل مجده وكل ملكه وكل عظمته لا تستطيع أن تحمل إليه الشفاء إلا إذا أراد الله سبحانه..
وهي الفترة التي تمكنت فيها الشياطين من كتابة كتب السحر ونشره بين الناس..
هذا هو الرأي الذي نرتاح إليه ونراه لائقا بعصمة نبي حكيم وكريم كسليمان..
وما عدا ذلك فهو من الأكاذيب والافتراءات المقطوعة السند..
والله تعالى أعلى وأعلم

المصادر:
..............

1- الموسوعة الحرة (ويكيبديا)
2- تفسير ابن كثير
3- تفسير الطبري
4- بعض مواقع الإنترنت مثل:
http://www.islamweb.net/newlibrary/display_book.php?idfrom=1603&idto=1603&bk_no=49&ID=1643

http://islamqa.info/ar/ref/128543

http://www.as7apcool.com/vb/showthread.php?t=423165

http://alhabibmohmed.hooxs.com/t551-topic

http://www.alokab.com/forums/lofiversion/index.php/t20613.html

http://www.nadyelfikr.com/showthread.php?tid=45364

الخميس، 7 فبراير 2013

انقراض انسان النياندرتال

الحياة في العصر الحجري لم تكن رائعة .. أقول هذا لأولئك الذين ما فتئوا يذكرونا بأيام زمان ويصدعون رؤوسنا ببساطة ودعة وروعة الماضي الغابر .. كلا عزيزي القارئ .. لم تكن جميلة البتة .. كانت عبارة عن مطاردة محمومة ومستمرة تتخللها فترات قصيرة من الراحة.. كان محتوما عليك أن تركض على الدوام .. أركض .. أركض .. فأمامك طريدة .. أو وراءك أنياب مفترسة تسعى لازدرادك. وفي اللحظات القليلة التي تتوقف فيها عن الركض يكون لزاما عليك أن تختبئ في عمق كهف موحش .. وبارد .. ومظلم .. حيث عليك أن تأكل وتنام وتتبرز وتجامع شريك حياتك في نفس البقعة الصغيرة أمام عيون عائلتك المجتمعة حول ذلك الموقد البائس اللعين .. يا لها من حياة ! .. وستكون محظوظا جدا لو نجوت بحياتك حتى تبلغ الثلاثين من عمرك .. فالحياة كانت قصيرة .. وأعداد البشر قليلة .. حمدا لله بأننا لم نخلق في تلك العصور المظلمة التي أروم زيارتها لبرهة قصيرة من خلال هذا المقال .. فما رأيك أن تأتي معي عزيزي القارئ ؟ .. لا تخف .. لن نبقى طويلا.
صورة تخيلية  لنياندرتال
التاريخ البشري يغص بالأحاجي والألغاز، فهذا المخلوق العاقل الذي يدعى الإنسان عاش وتسيد على هذه الأرض منذ ظهوره قبل أكثر من مائتي ألف عام، هذا ما يقوله العلم الحديث. لكننا للأسف الشديد نكاد لا نعلم شيئا عما فعله وأنجزه هذا الإنسان خلال تلك الحقب الطويلة المتمادية، إذ تكاد معلوماتنا الوفيرة عنه تنحصر في فترة الخمسة آلاف عام الأخيرة، أي منذ بروز وبزوغ فجر الحضارات الإنسانية الأولى على ضفاف النيل ودجلة والفرات وما رافق ذلك من اختراع الكتابة وبدء التوثيق الكتابي للأحداث والعادات والعقائد السارية في تلك الأزمان الغابرة. أما قبل ذلك، أي قبل اختراع الكتابة، فمعلوماتنا تكاد تنحصر بما تركه القدماء من أدوات حجرية وآوني فخارية وهياكل عظمية مبثوثة هنا وهناك في المغاور والمقابر والكهوف. ولهذا السبب بالذات تعتبر تلك الحقب والعصور التي سبقت التوثيق الكتابي من أشد الفترات غموضا وظلاما في تاريخ البشر، وأكثرها إثارة للجدل.
نوعان مختلفان من البشر
ولا غرو أن إنسان النياندرتال  The Neanderthal يعد واحدا من أكثر ألغاز عصور ما قبل التاريخ غموضا. فمنذ اكتشاف جمجمته الأولى في بلغاريا عام 1829 ، تعددت وتنوعت الآراء والنظريات والفرضيات حوله إلى درجة التناقض والاختلاف، وهو الأمر الذي قاد إلى نشوء خرافات وشيوع أخطاء كثيرة عنه.
ولعل أكثر تلك الأخطاء شيوعا هي الاعتقاد بأن النياندرتال هو من أسلاف البشر الحاليين، وبأن أجدادنا أيام الكهف كانوا من النياندرتال. وهذا لعمري من أكبر الأخطاء وأعظمها. فنحن والنياندرتال نوعان مختلفان من البشر. صحيح بأننا ننتمي إلى جنس واحد يدعى (Homo ) ، أي الإنسان، وصحيح بأننا أبناء عمومة ننحدر جميعا عن جد واحد عاش في زمن ما قبل خمسمائة ألف عام، وبأننا نتشارك 99.5 من جيناتنا، وأن البعض منا لازال يحمل في جيناته قدرا ضئيلا من جينات النياندرتال ... لكن بغض النظر عن جميع تلك القواسم والمشتركات فنحن البشر الحاليين نعد نوعا مختلفا تماما، نعرف بأسم الإنسان الحديث (Homo sapiens ) فيما يعرف هو بإنسان النياندرتال (Homo neanderthalensis ).
أما الخطأ الشائع الآخر فهو الاعتقاد بأن النياندرتال كان نوعا سابقا لظهور الإنسان الحديث وبأنهما لم يعيشا معا في بقعة واحدة ولم يحدث بينهما أي تقارب واختلاط، وهذا غير صحيح أيضا، فالنوعان عاشا جنبا إلى جنب منذ أن وصل الإنسان الحديث إلى القارة الأوربية قبل حوالي 43 ألف عام وحتى انقراض النياندرتال قبل حوالي 25 ألف عام.

النياندرتال لم يكن مسخا ولا قردا

الصورة النمطية للنياندرتال .. وحش كاسر مخيف  ..
الاكتشافات والتقنيات الحديثة ساهمت في تفنيد العديد من التصورات والاستنتاجات السابقة لدى العلماء عن النياندرتال وبدأت ترسم لنا صورة مغايرة تماما عن تلك التي علقت بأذهاننا عنه، فإنسان النياندرتال لم يكن بشعا ومتوحشا وغبيا كما اعتادت البرامج الوثائقية والأفلام السينمائية تقديمه لنا. فقد أثبتت عملية إعادة رسم وتشكيل جمجمته بواسطة الحاسوب بأن ملامحه كانت أقرب إلى ملامح الإنسان الحديث منها إلى القرد، مع بروز بسيط أعلى العين وتراجع قليل في الجبهة والذقن، كما أنه لم يكن مخلوقا كث الشعر كما يحاول البعض تصويره، فالأبحاث الحديثة ترجح بأن كثافة شعره لم تكن تختلف كثيرا عن كثافة الشعر على جسد الإنسان الحديث.
طيب إذا كان الإنسان الحديث والنياندرتال متشابهان إلى هذا الحد .. فأين هو الاختلاف بينهما ولماذا صنفا من قبل العلماء على أنهما نوعان مختلفان ؟.
الفرق بين جمجمة النياندرتال والانسان الحديث
في الحقيقة كانت هناك عدة اختلافات ظاهرة بينهما. فقد أثبتت الاكتشافات الحديثة، خصوصا الهيكل العظمي النادر لطفل النياندرتال الذي عثر عليه داخل كهف دودرية بالقرب من حلب في سوريا، بأن دماغ النياندرتال كان مساويا في الحجم لدماغ الإنسان الحديث عند الولادة، لكن مع تقدم السن كان دماغ النياندرتال يتفوق في حجمه على دماغ الإنسان الحديث. لكن هذا التفوق في الحجم لا يعني بالضرورة بأن النياندرتال كان أذكى من الإنسان الحديث، فالعلماء يقولون بأن طريقة نمو وتطور الدماغ بعد الولادة هي التي تلعب دورا محوريا في تحديد مقدار الذكاء، وطريقة نمو الدماغ بحسب العلماء، كانت تصب لصالح الإنسان الحديث على حساب النياندرتال، لكن هذا الأخير لم يكن مخلوقا غبيا عديم الذكاء، إذ ربما كان ذكاءه مساويا للإنسان الحديث في بعض المجالات، فقد كان بارعا في صنع الأدوات والأسلحة الحجرية والاستفادة من جلود الحيوانات لعمل الثياب، وكان يجيد استخدام النار، وهو فوق ذلك مخلوق  اجتماعي يعيش في مجموعات تماما كالإنسان الحديث، وهناك دلائل أيضا على أنه كان يدفن موتاه، وبأنه كان أول من رسم على جدران الكهوف القديمة، فأقدم رسم بشري، ذلك الموجود على جدار أحد الكهوف في اسبانيا، ربما كان من صنع النياندرتال الذي سكن تلك الأصقاع لآلاف السنين.
النياندرتال كان يعيش في الكهوف 
أما من الناحية البنيوية والجسدية، فالنوعان كانا متقاربان بطول القامة، إلا أن النياندرتال كان أقوى جسديا بكثير من الإنسان الحديث، كانت يداه جبارتان، كأنهما أدغمتا مع صدره العريض إدغاما. وبالمقابل كان الإنسان الحديث يتفوق على النياندرتال من ناحية الرشاقة والسرعة، فالنياندرتال كان يسير بصعوبة وبطء بسبب طبيعة تكوينه العظمي، وربما بدا للناظر كأنه يترنح من جهة إلى أخرى عند المشي، وكان بحاجة إلى طاقة أكبر عند الركض والقفز والمطاردة، وعليه فأن الإنسان الحديث كانت له اليد العليا في أي مواجهة محتملة مع النياندرتال.
كان مميزا بشعره الأحمر وهي سمة نادرة في البشر اليوم ..
النياندرتال كان مميزا بلون شعره أيضا، هذا ما يقوله بعض العلماء الذين عثروا على جينة تدعى (MC1R ) ضمن عينة من الحمض النووي مأخوذة عن عظام النياندرتال، وبحسب الباحثين فأن هذه الجينة تضفي صبغة حمراء مميزة على الشعر، ومن المعروف بأن الشعر الأحمر هو لون نادر لدى الإنسان الحديث، لذا فأن النياندرتال كان مميزا حتما بخصلات شعره الحمراء التي كانت تتطاير وراء كشعلة لهب أثناء مطاردته للحيوانات التي أعتاد صيدها في وديان وسهول أوربا العصر الحجري.
كان يعيش في مجموعات وربما طور لغة خاصة به ..
علاوة على الاختلافات أنفة الذكر فأن العلماء يعتقدون بأن الإنسان الحديث كان متفوقا أيضا من الناحية الاجتماعية، كان يعيش في مجموعات أكبر وأكثر تنظيما من ناحية تقسيم المهام بين الرجال والنساء، كما كان متفوقا من ناحية تطوير اللغة والتواصل مع أبناء جنسه، بالرغم من أن الرأي العلمي الحديث يرى بأن النياندرتال ربما كان هو الأخر قادرا على الكلام والتفاهم اللغوي، ويذهب بعض العلماء إلى الاعتقاد بأن صناعة وتطوير الأدوات الحجرية وأساليب الصيد الجماعي ما كانت متاحة للنياندرتال لولا وجود نوع من اللغة المتبادلة بين أفراده. وقد عزز هذا الرأي عثور العلماء عام 1983 على العظم اللامي ضمن بقايا عظام النياندرتال، وهذا العظم يكون على شكل حدوه يقع في مقدمة الرقبة أسفل الذقن ووجوده ضروري من أجل النطق والكلام، علاوة على ذلك، عثر العلماء مؤخرا على جين يدعى (FOXP2 ) ضمن عينة من الحمض النووي مأخوذة عن عظام نياندرتال من شمال أسبانيا، هذه الجينة موجودة لدى الإنسان أيضا، ويعتقد العلماء بأنها مسئولة عن اللغة والكلام.
خلاصة القول، بأننا لو كنا نعيش في عصور ما قبل التاريخ المظلمة والباردة، لكنا ميزنا النياندرتال بسهولة كما فعل أجدادنا، وذلك بسبب الاختلافات الواضحة في المظهر العام والسلوك.

لماذا أنقرض النياندرتال ؟

منذ اكتشافه في القرن التاسع عشر ظل العلماء يتساءلون عن سر وسبب انقراض النياندرتال في زمن ما قبل حوالي 24 ألف عام تاركا المجال بالكامل للإنسان الحديث لكي يبسط سيطرته – وشروره - على هذا الكوكب النابض بالحياة. وللإجابة على هذا السؤال وضع العلماء عدة نظريات وفرضيات سنتناولها تباعا وباختصار في الأسطر القليلة القادمة.

نظرية الصراع مع الإنسان الحديث

هل كان أجدادنا وراء أنقراض النياندرتال بسبب طبيعتهم العدوانية ؟ ..
النياندرتال كان متكيفا من الناحية الجسدية للعيش في المناطق الباردة، لهذا أقتصر نطاق وجوده على الرقعة الجغرافية الممتدة من شمال إيران والعراق وبلاد الشام مرورا بآسيا الوسطى وروسيا وأوربا وصولا إلى ساحل البحر المتوسط في أسبانيا حيث كانت الكهوف في منطقة مضيق جبل طارق هي ملاذه الأخير. وقد سكن النياندرتال تلك المساحات الشاسعة وكان سيدا مطلقا عليها لمئات الألوف من السنين حتى نازعه السيادة نوع آخر من البشر ظهر فجأة على مسرح الأحداث وراح ينافسه ويزاحمه في كل شيء. وهذا النوع الثاني لم يكن طبعا سوى الإنسان الحديث الذي عبر أولا من أفريقيا إلى آسيا ثم يمم وجهه صوب أوربا قبل حوالي 43 ألف عام.
وبحسب بعض العلماء، فأن الإنسان الحديث، الذي كان أكثر تنظيما، ويعيش في مجموعات كبيرة، قام باستئصال وطرد النياندرتال تدريجيا ودفع به باتجاه الغرب والجنوب الأوربي حيث ملاذاته الأخيرة. ومما يعزز هذا الرأي لدى العلماء هو سلوك البشر عبر العصور المتسم غالبا بالميل إلى العنف والقسوة والوحشية في التعامل مع المنافسين، أوضح مثال على ذلك هو طريقة تعامل المنتصرين مع الخاسرين في الحروب والنزاعات قديما وحديثا، وكيف تمت إبادة شعوب وقبائل كاملة من السكان الأصليين في أمريكا واستراليا وأفريقيا على مر العصور. هذا فضلا عن إبادة مئات الفصائل والأجناس الحيوانية خلال التاريخ البشري المعبق برائحة الدم والموت.

نظرية التزواج مع الإنسان الحديث

هل تزاوج البشر مع النياندرتال ؟ ..
على العكس من النظرية السابقة، فأن هذه النظرية تزعم بأن النياندرتال أنقرض بسبب اختلاطه وتزاوجه مع الإنسان الحديث، أي أن نسله ضاع واندثر ضمن نسل الإنسان الحديث، وهي حالة معروفة حدثت مرارا عبر العصور، فالمجموعات الصغيرة والمغلوبة على أمرها عادة ما تذوب وتنصهر ضمن المجموعات الأكبر، وقد شهد التاريخ اختفاء العديد من القبائل والأقليات القومية بسبب اختلاطها أو وقوعها تحت سيطرة قوميات أقوى وأكبر.
يحمل سمات النوعان معا ..
وهناك عدة دلائل قوية تؤيد هذه النظرية، ففي عام 1998 عثر العلماء على هيكل عظمي لطفل داخل كهف بالقرب من مدينة لشبونة البرتغالية أطلقوا عليه أسم طفل لاجار فيلو (child of Lagar Velho ) ، وكان لهذا الاكتشاف أهمية عظمى لأن هيكل الطفل العظمي حمل سمات مختلطة بين الإنسان الحديث والنياندرتال، مما يرجح كونه هجينا.
تحليل الحمض النووي يعطينا دليلا آخر على اختلاط النوعين، فمعظم الناس من العرق الأوربي والآسيوي إضافة إلى سكان شمال أفريقيا من ذوي البشرة الفاتحة، يحملون في جيناتهم ما بين 1 – 4 % من جينات النياندرتال، وهي جينات لا يحملها أبناء العرق الأفريقي لأن النياندرتال لم يعش في أفريقيا مطلقا. وهذه النسبة الضئيلة من الجينات تدل على حدوث تزاوج محدود بين الإنسان الحديث والنياندرتال خلال العصور الحجرية القديمة.
الانسان لم يتوانى حتى عن ممارسة الجنس مع الحمير والماعز
علاوة على الدلائل المادية فأن دراسة وتحليل السلوك الجنسي للإنسان الحديث لا تجعل مسألة زواجه بالنياندرتال أمرا مستبعدا أو عجيبا أو غير متوقع، فالذي يمارس الجنس مع حمار ولا يتردد عن تفريغ شهوته في بقرة أو كلب . والذي لا يخجل من أن ينزو بالجماد من الدمى والألعاب الجنسية .. الذي يفعل كل هذه الأمور .. لا يتوانى طبعا عن ممارسة الجنس مع غيره من أنواع الإنسان وأشباه البشر. والعلماء يزعمون بأن الإنسان الحديث تزاوج مع نوعين من الإنسان خلال تاريخه الطويل، الأول هو النياندرتال كما أسلفنا، والثاني هو نوع منقرض من أشباه البشر يدعى دنيسفوا (Denisova hominin ) عثر العلماء على عظمة أصبع يده داخل أحد الكهوف الروسية عام 2008. ولأنهم لم يعثروا سوى على أصبع يتيم فقد ظل شكل ذلك المخلوق لغزا يكتنفه الغموض، لكن تحليل الحمض النووي أظهر بأن جميع البشر من العرق الميلانيزي (سكان الجزر في المحيط الهادي) يشتركون في حوالي 6% من جيناتهم مع هذا الإنسان المنقرض الذي عاش على هذه الأرض في زمن ما قبل أكثر من 40 ألف عام.

نظرية التغير المناخي

كان يعتاش على صيد الحيوانات التي انخفضت اعدادها في العصر الجليدي
بحسب هذه النظرية فأن تبدل المناخ خلال العصر الجليدي الأخير قبل أكثر من خمسين ألف عام لعب دورا كبيرا في انقراض النياندرتال، فخلال تلك الحقبة القاسية تحولت أجزاء واسعة من أوربا إلى صحارى قطبية، وأدى ذلك بالتالي إلى انحسار الغابات والمساحات الخضراء التي كانت تشكل مراعي للحيوانات التي أعتاد النياندرتال صيدها، ومع تناقص أعداد تلك الحيوانات واختفاءها، راح النياندرتال يقاسي الجوع إلى درجة أنه صار يأكل لحوم أبناء جنسه، وصار الموت يلاحقه كظله على طول البقعة الممتدة بين جبال القوقاز وصولا إلى بحر المانش، مما أجبر الجماعات القليلة الناجية على التراجع بالتدريج نحو السواحل الأكثر دفئا في جنوب أوربا، خصوصا في شبه الجزيرة الأيبيرية، أي أسبانيا والبرتغال، والتي تعرف بالملاذ الأخير للنياندرتال.
التغير المناخي لم يقتصر على هجوم البرد والصقيع، بل زاد الطين بله ثوران العديد من البراكين الأوربية خلال نفس الفترة، وهذه الانفجارات البركانية بغيومها السوداء وغبارها البركاني أدت إلى القضاء على معظم أشكال الحياة في نطاق وجود إنسان النياندرتال. وهكذا فأن تحالف المناخ السيئ مع الثورات البركانية أدى إلى إضعاف وجود النياندرتال واستنزاف أعداده بشدة، وبالتالي لم يواجه الإنسان الحديث أية منافسة أو مقاومة من قبل النياندرتال المنهك حين وطئت أقدامه أديم القارة الأوربية لأول مرة في زمن ما قبل أكثر من أربعين ألف عام.

نظرية الأمراض والأوبئة

هل اصيب بوباء قاتل قاده الى حافة الانقراض ؟ ..
كما أشرنا سابقا فأن النياندرتال والإنسان الحديث متشابهان بدرجة كبيرة، وعليه فأن النياندرتال، شأنه شأن الإنسان الحديث، كان عرضة للإصابة بالعلل والأمراض والأوبئة القاتلة. ويرى بعض العلماء أن افتقاره للمناعة الطبيعية ضد أنواع معينة من الجراثيم والفيروسات التي حملها الإنسان الحديث معه إلى أوروبا جعلته صيدا سهلا للعديد من الأوبئة الفتاكة التي أضعفت وجوده وأدت إلى انقراضه في النهاية. الأمر شبيه بما حدث في الأمريكيتين بعد اكتشافهما من قبل الأوربيين، فالسفن الأوربية لم تحمل معها المستعمرين والغزاة فقط، بل حملت معها أيضا فيروسات وجراثيم قاتلة كان الإنسان الأوربي قد طور مناعة ضدها من خلال تعرضه لها لآلاف السنين، بينما لم يكن سكان أمريكا الأصليين يملكون أية مناعة طبيعية ضد هذه الفيروسات والجراثيم لأنهم لم يعرفوها ولم يجربوها قبلا، وهكذا وقعوا فريسة سهلة للعديد من أمراض العالم القديم، خصوصا الجدري، الذي حصدا لوحده ملايين الأرواح خلال سنوات قليلة فقط، أما البقية الباقية والقلة الناجية، فقد اختلط معظمهم بالمستعمرين الجدد وبمرور الزمان ذابوا وانصهروا في بوتقة المجتمعات الجديدة التي أنشأها المستوطنين الأوربيين ثم تلاشوا واندثروا إلى الأبد.

نظرية أكل لحوم البشر


العديد من العلماء بدءوا يميلون في الآونة الأخيرة إلى الاعتقاد بأن النياندرتال كان من أكلة لحوم البشر، وبأنه كان مولعا بأكل لحوم أبناء جنسه كولعه بصيد الحيوانات الوحشية، فالبقايا العظمية المتحجرة التي استخرجت من بعض كهوف كرواتيا وايطاليا وفرنسا واسبانيا كانت تحمل آثارا واضحة لتعرضها للتقطيع والتمزيق بعد الموت مباشرة، ربما من أجل التهامها. وأقوى الأدلة على وجود هذه الممارسة الوحشية أتت من كهف إليسدرون (El Sidron ) في شمال أسبانيا، فهناك عثر العلماء على كمية كبيرة من العظام التي يرجح بأنها تعود لعشيرة نياندرتال صغيرة عاشت في ذلك الكهف قبل حوالي 43 ألف عام وكانت تتكون من ثلاث نساء وثلاث رجال وثلاث مراهقين وطفلين ورضيع واحد. وقد حملت عظامهم ندوبا وكسورا وعلامات تشير إلى احتمال تعرض أصحابها للقتل والتقطيع والالتهام من قبل مجموعة نياندرتال أخرى. حيث جرى نزع اللحم عن العظام بواسطة سكاكين وفؤوس حجرية، وحطمت الجمجمة من أجل استخراج الدماغ، وكسرت العظام الكبيرة من اجل استخراج نخاع العظم .. وهذه جميعها أمور تدل على أن من فعل ذلك بتلك الأجساد كان على الأغلب ينوي التهامها.

ويميل العلماء إلى الاعتقاد بأن النياندرتال، والإنسان الحديث أيضا، مارسا أكل لحم البشر مرارا وتكرارا خلال تاريخهما الطويل الذي يمتد لعشرات الألوف من السنين، حيث كانا يلتهمان أبناء جنسهما ويلتهم كل منهما الآخر أيضا، وكانت وتيرة هذه الممارسة تزداد في فترات الكوارث والمجاعات التي يندر فيها الحصول على الطعام، كما أرتبط أكل لحم البشر بطقوس وعقائد خرافية كتلك التي كانت منتشرة بين القبائل البدائية في بابوا غينيا الجديدة حيث كان يجري التهام البشر بشكل روتيني حتى منتصف القرن الماضي.
صورة ارشيفية حقيقية من القرن الماضي لبقايا جثة رجل جرى التهامه في بابوا غينيا الجديدة ..
ممارسة أكل لحوم البشر هي لا ريب ممارسة وحشية مرعبة، لكن الأسوأ من ذلك، والأمر الذي قد لا يعلمه أغلب القراء، هو أن لها آثار جانبية خطيرة على الصحة العامة، وقد تنبه الأطباء إلى هذا الأمر خلال دراستهم واستقصائهم أسباب مرض غريب ألم بأفراد قبيلة فور البدائية في بابوا غينيا الجديدة في القرن الماضي. فهذه القبيلة درجت على التهام جثث موتاها، كان تأبين الميت والحزن عليه يتضمن تقطيعه والتهامه من قبل أهله وأصدقائه من أجل المحافظة على "قوة الحياة" الموجودة داخل جسده وحفظها من الضياع، حيث ظن الفور بأن التهامهم لجسد الميت يعني تقاسمهم لقوته وطاقته. ولهذا السبب بالذات كان الرجال يهتمون بأكل قلب الميت وأجزاء بدنه الأكثر ارتباطا بالقوة والصلابة، أما باقي الجثة فكانت تترك للنساء والأطفال، وهؤلاء كانوا مولعون بأكل الأجزاء الدسمة، خصوصا الدماغ، فكانوا يحطمون الجمجمة ويستخرجونه ليأكلوه نيئا من رأس الميت مباشرة. وقد تسبب هذه الممارسة الغريبة بإصابة العديد من أفراد القبيلة ، خصوصا النساء، بمرض نادر يدعى كورو (Kuru ) ، وهو مرض قاتل شبيه بمرض جنون البقر، ينتقل بالعدوى ويؤدي إلى نخر الدماغ محولا إياه إلى ما يشبه الاسفنجة، ويسمى أيضا بمرض الضحك، لأنه المصابين به يفقدون السيطرة على أجسادهم تدريجيا مما يجعلهم يقومون بحركات لا إرادية مثيرة للضحك، وعادة ما يفارق المصاب الحياة خلال أقل من سنة، ولا يوجد حتى اليوم عقار ناجع لعلاج المرض الذي تناقصت حالات الإصابة به بعد توقف أفراد القبيلة عن التهام لحوم البشر في العقود الأخيرة.
وبالعودة إلى النياندرتال، فهناك فريق من العلماء يعتقدون بأن أكل لحم البشر تسبب بإصابة النياندرتال بأمراض وأوبئة خطيرة مشابهة لتلك التي أصابت أفراد قبيلة فور في بابوا غينيا الجديدة مما قاده إلى الانقراض في النهاية.

أخيرا ..

يبقى لغز النياندرتال قائما ..
فأن كل قلناه حول النياندرتال يبقى في حيز الفرضية والاحتمال، فالعلماء لا يملكون من المعلومات حول هذا المخلوق المنقرض سوى ما تقدمه عظامه وأحجار الصوان التي أستعملها في مطاردة الحيوانات والأعداء، ولهذا السبب بالذات، أي لقلة المعلومات وشحتها، يبقى موضوع النياندرتال من المواضيع الشائكة والمثيرة للجدل خصوصا بين أنصار نظرية التطور (1) وأنصار الأصل السماوي (2) للحياة على هذه الأرض، وهو جدل قديم متجدد نحن في غنى عن التطرق أليه لأننا بصراحة غير مؤهلين لا علميا ولا دينيا للخوض فيها. لكن خلاصة ما يمكن أن نقوله في ختام هذا المقال هو أن النياندرتال لم يكن قردا ولا وحشا .. ولا كان من أسلاف البشر الحاليين .. ربما كان من الكائنات التي أبدعها الخالق قبل ظهور البشر على هذه الأرض .. إذ لا يوجد ما يمنع فرضية أن الأرض كانت مسكونة بمخلوقات وكائنات أخرى قبل ظهور البشر.
هوامش :
1 – نظرية التطور لتشارلز دارون (Theory of evolution) : نظرية التطور - باختصار وتبسيط شديد - تزعم بأن أصل جميع الكائنات والمخلوقات الموجودة على كوكبنا يرجع إلى سلف واحد مشترك ظهر على هذه الأرض قبل أكثر من ثلاثة مليارات عام عن طريق تفاعلات كيميائية حدثت في بيئة مثالية وتحولت إلى شكل من أشكال الحياة البسيطة ثم تطورت تدريجيا وانحدرت منها جميع الأنواع عن طريق عملية الاصطفاء الطبيعي التي يمكن تلخيصها بعبارة "البقاء للأقوى والأصلح"، أي أن الصفات والسمات الجيدة هي التي تبقى وتتأصل وقد تتطور في النهاية إلى أنواع جديدة. ولتبسيط الأمر أكثر فأن ما قامت به الطبيعة عبر ملايين السنين هو أشبه بما يقوم به الإنسان حاليا في المختبرات ومعامل البحوث من عملية اصطفاء صناعي، حيث يتم التلاعب بجينات النباتات لتطوير السمات الجيدة والقضاء على السمات السيئة للحصول في النهاية على نباتات مطورة جينيا تحمل الصفات والسمات المرغوبة والمطلوبة فقط، أو كما في قيام المزارعين بتوليد وتهجين سلالات مختلفة من الحيوانات الأليفة للحصول على سلالات جديدة تحمل صفات وسمات محسنة.
لكن كيف لنا أن نصدق بأن السحلية تحولت إلى طائر بحسب نظرية التطور ؟! ..
الجواب يكمن في الطفرات .. وهي تغييرات جينية تتم غربلتها وتصفيتها عن طريق الاصطفاء الطبيعي حيث يتم إبعاد الطفرات الضارة في حين تتراكم الطفرات المحايدة حتى تصبح شائعة، وهذه الطفرات لا تحدث خلال ليلة وضحاها، بل قد تتطلب آلاف وملايين السنين لحدوثها ولذلك تصعب ملاحظتها ومراقبتها.
لكن أين هي الأدلة على حدوث هذه الطفرات ؟ .. أين هو المخلوق الذي يظهر لنا بجلاء حدوث طفرة بين السحلية والطائر؟ ..
الطفرات تحدث على الدوام، وأغلبها ضارة، مثل التشوهات الولادية، التخلف العقلي، الصلع، حساسية اللاكتوز، السرطانات .. الخ .. العلماء يقولون بأن مثل هذه الطفرات حولت السحلية إلى طائر من خلال عملية طويلة استمرت لملايين السنين .. أما أين هو الدليل الأحفوري الذي يثبت حدوث هذه الطفرات .. أي أين هو المخلوق الذي يحمل سمات السحلية والطائر معا، فهذا هو ما يسمى بالحلقة المفقودة في نظرية التطور.
2 - نظرية الأصل السماوي : أنصار هذه النظرية ينقسمون فريقين، احدهما – الأغلبية - يؤمن بأن جميع الأنواع والأجناس على الأرض هي صنع الله خلقت بأحسن صورة وتقويم منذ البداية ولم تتطور تدريجيا، وهناك فريق آخر يزعم بأن الحياة أتت إلى هذه الأرض من كوكب أو جرم سماوي آخر، ربما حطت بواسطة صحن طائر، أو حملها نيزك أو مذنب ما إلى الأرض.

المصادر:
..................

1- Neanderthal From Wikipedia the free encyclopedia
2- Not guilty! We did not kill the Neanderthals... ice age wiped them out, say scientists
3- Study casts doubt on human-Neanderthal interbreeding theory
4- Neanderthal extinction hypotheses
5- Did climate change kill off Neanderthals?
6- DNA reveals Neanderthal extinction clues
7- Cannibalism May Have Wiped Out Neanderthals
8- How Neanderthals Fought Disease
9- Some Neanderthals Were Redheads
10- Cave Speak: Did Neandertals Talk?
11- Neanderthals Were Too Smart to Survive
12- Neanderthals Were Cannibals, Study Confirms
13- How Neanderthals met a grisly fate: devoured by humans
14- Brains of Neanderthals and Modern Humans Developed Differently
15- Neanderthals More Intelligent Than Thought
16- The brains of human and Neanderthal babies were almost identical
17- Cannibalism & the shaking death: A new form of the disease & a possible epidemic
18- Neanderthal Sex: Modern Humans Ended Interbreeding After Migrating From Africa, Study Suggests
19- Kuru (disease) From Wikipedia, the free encyclopedia

مدينة بومبى . . كيف تحول ساكنيها الى تمثيل بشرية

في الكتب السماوية , هناك قصص عن مدن كاملة اختفت عن وجه الأرض بعد ان حلت عليها اللعنة الإلهية فأصبحت أطلالا لشوارع و أسواق كانت تعج بالحياة و النشاط ثم توقف الزمن عندها فجأة , و مدينة بومبي هي إحدى تلك المدن التي تطل لتلقم حجرا أفواه العديد من الباحثين و العلماء الذين يعتبرون قصص الكتب السماوية مجرد أساطير و خرافات , إليك عزيزي القارئ  , القصة الحقيقية لما جرى في ذلك اليوم الأخير و المشئوم من حياة مدينة بومبي الايطالية.pompii

تحول بعض سكانها الى تماثيل حجرية


بعض من ثار بومبى

بومبي (Pompeii ) هي مدينة قديمة تقع في جنوب ايطاليا بالقرب من مدينة نابولي الحالية , و قد بنيت على سفح بركان فيزوف الشهير , و هو احد البراكين القليلة في القارة الأوربية التي لازالت تتمتع بنشاط بركاني. و قد كانت بومبي مدينة مزدهرة ما بين القرن السابع قبل الميلاد و حتى عام 79 للميلاد و هو تاريخ اختفائها الذي دام لـ 1700 عام. و ربما تكون المئتي سنة الأخيرة من عمرها تمثل أوج الازدهار و النشاط و الرقي الذي بلغته في جميع مناحي الحياة , فما وصل الى أيدي علماء التاريخ يثير الحيرة و التساؤل حول الحياة في العصور القديمة و التي توصف غالبا بالتخلف و الانحطاط , فمدينة بومبي كانت تتمتع بنظام متناغم من التصميم المعماري كما كانت تتمتع بنظام رائع و متطور للري و توزيع المياه و الصرف الصحي و كانت تزخر بالمنتديات العامة و الثقافية و برك السباحة و الحمامات و المراكز الرياضية و المعابد و الأبنية الحكومية الفارهة و تزدان جدرانها بأجمل الرسوم الفسيفسائية التي أبدعتها انامل الفنانون القدماء و التي تصور جمال و أناقة سكان المدينة و سحر الحياة التي كانوا يتمتعون بها. و كما كان بركان فيزوف هو سبب دمار المدينة فأنه كان و لقرون عدة سبب ازدهارها و غناها , فتربة الحقول المحيطة بالمدينة كانت أغنى تربة زراعية في اوربا بسبب طبيعتها البركانية حيث يذكر المؤرخون ان سكان بومبي كانوا يزرعون و يحصدون محاصيلهم الزراعية ثلاث مرات في السنة , كما كانت المدينة منتجعا للأغنياء و عوائلهم و هذه السياحة كانت تدر الأرباح الطائلة على سكان المدينة.

زلزال عام 62 المدمر .. الكارثة الاولى

في الخامس من شباط / فبراير عام 62 للميلاد و بينما كان السكان يحتفلون بأحد أعيادهم الدينية , فجأة أصم آذانهم صوت مهيب لم يعلم احد مصدره ثم أخذت الأرض تهتز بعنف و راح الناس يتدافعون بهلع للهرب من المعابد و البيوت التي أخذت تتهاوى واحدا بعد الأخر و بدأت النيران تلتهم أجزاء كبيرة من المدينة نتيجة لتحطم المصابيح الزيتية المعلقة في البيوت , الهزة الأولى استمرت للحظات و لكن تبعتها بعد ساعة من الزمن عدة هزات استمرت بصورة متقطعة حتى حلول المساء , و في الليل كانت اغلب المباني قد تهدمت و تحولت الى ركام و اخذ اللصوص و المجرمون يجوبون المدينة ليسرقوا و يغتصبوا و يعيثوا في الأرض فسادا , و مات الكثيرون من الأهالي و هم يحاولون الفرار من المدينة حيث ابتلعتهم الشقوق العظيمة و السحيقة التي أحدثتها الهزة الأرضية , و رغم حجم المأساة و هول المصيبة التي حلت على المدينة , الا ان الكثيرون من سكانها صمموا على الاستمرار في حياتهم و بدءوا بحملة لأعمار مدينتهم و بمرور الزمن عاد الكثيرون ممن كانوا قد هجروا بومبي اليها ليصلحوا بيوتهم و يبدءوا حياة جديدة , و ربما كان للازدهار الاقتصادي الكبير الذي كانت تتمتع به المنطقة الأثر الأكبر في عودة الناس اليها.
ما بين عامي 62-79 ميلادية , أي لسبعة عشر عاما , انشغل سكان بومبي بإصلاح الخراب الذي حل بالمدينة نتيجة الزلزال , فتم تشييد المباني الفاخرة و إعادة تزينها بالرسوم الجميلة و أصلاح نظام توزيع المياه داخل المدينة , و قد كان أهالي المدينة يعملون بهمة و عزم لكي تعود بومبي الى سابق عهدها و لكن لم يكن يدر في خلد أي منهم حجم الكارثة و المصير الأسود الذي يخبئه لهم المستقبل القريب.
                            تراها انتظرت ام خافت ام استسلمت

ما الذى حدث وكيف انهار كل شئ ؟

في الـ 20 من آب / أغسطس عام 79 ميلادية , حدثت بعض الشقوق في الأرض و تحولت مياه الخليج الهادئة الى أمواج عملاقة غاضبة , الحيوانات و الطيور أصبحت مضطربة و يصعب السيطرة عليها , و رغم جميع هذه العلامات و الإشارات الا ان سكان المدينة استمروا في حياتهم العادية و في اليوم السابق لثورة البركان كان هناك احتفال صاخب و مهيب في بومبي مكرس للآله (Vulcanalia ) و هو آله النار و البراكين عند الرومان و انشغل السكان بالسكر و العربدة حتى ساعة متأخرة من الليل حيث عادوا الى بيوتهم ليخلدوا الى النوم.
 مجموعة  لأجسام بشرية متحجرة -  لم يكونوا نائمين - لكنهم ربما التجأوا للأرض كحماية
و في الساعات الأولى من صباح اليوم التالي 24 آب / أغسطس بدأ بركان فيزوف يطلق حممه الغاضبة الى السماء التي تلبدت بالدخان الأسود لتحيل النهار ليلا و بدء الرماد الأسود يهطل على المدينة ليغطي سقوف منازلها و طرقاتها الحجرية , هناك العديد من السكان ممن قرروا الهرب و ترك المدينة منذ الساعات الأولى لثورة البركان و قد يكون بعضهم قد نجا و لكن هناك اخرون قرروا البقاء و اعتقدوا ان من سيحميهم من الموت و من حمم البركان هو سقوف بيوتهم الحجرية. استمر الرماد الأسود بالهطول على المدينة ليصل الى علو 3 أمتار و قرابة الساعة الثانية عشر ليلا حدث الانفجار الفعلي للبركان و بدء فيزوف يقذف الحمم النارية الى مسافات بعيدة مصحوبة بالغازات البركانية السامة و القاتلة و أخذت المزيج الناري الأحمر للأحجار المنصهرة يتقدم ببطء نحو المدينة و هو ما كان إيذانا بموت جميع السكان , فحتى هؤلاء الذين لم يدفنوا أحياء تحت الرماد البركاني , فأنهم ماتوا تحت سقوف منازلهم التي دمرتها الصخور الضخمة التي قذفها البركان او هلكوا خنقا بسبب الغازات البركانية السامة التي تسير بسرعة 100 كلم / ساعة.
من المستحيل على الباحثين اليوم , تقدير عدد الذين قتلوا نتيجة ثورة بركان فيزوف , فبالإضافة الى بومبي , هناك ثلاث مدن رومانية اخرى كانت تقع على سفح البركان و قد اختفت كليا او جزئيا , ربما تكون أشهرها مدينة هيركولانيوم , و قد لا تمثل العينات المتحجرة الموجودة اليوم لضحايا البركان الا نسبة ضئيلة جدا من العدد الفعلي للقتلى ممن ماتوا اثناء محاولتهم الهرب في الحقول او ابتلعتهم أمواج البحر الهائج.
                                  فأر كان ضمن الأحياء
لـقرابة 1700 عام اختفت بومبي و لم يبق لها أي ذكر , سوى إشارات متفرقة في كتب المؤرخين القدماء , ربما تكون أكثرها دقة و تفصيل , هو ما ذكره المؤرخ الروماني الشهير بليني الصغير و الذي كان شاهدا عينيا لانفجار بركان فيزوف عام 79 للميلاد , و رغم محاولات الكثيرين , خصوصا الباحثين عن الكنوز , لقرون عديدة الوصول الى بومبي المدفونة تحت 30 قدما من الرماد البركاني الا ان جميع تلك المحاولات باءت بالفشل حتى ان البعض بدء يشك في وجود المدينة أصلا و يظن انها مجرد أسطورة قديمة.
و لن يتم استكشاف مدينة بومبي ثانية حتى عام 1748 و منذ ذلك الحين أصبحت قبلة للسياح و الزائرين بسبب الطبيعة المتفردة التي تمتاز بها بومبي عن بقية المدن التاريخية , فما تشاهده في بومبي هو الزمن الذي توقف عام 79 للميلاد , فكل المباني و الشوارع تعود الى ذلك التاريخ و لم يجري لها أي إضافة او تعديل منذ ذلك اليوم , و في عام 2007 وحدها استقبلت آثار المدينة 2,571,725 سائح من مختلف أنحاء العالم.
في الختام و للأمانة ينبغي ان نذكر شيئا عن المدينة يعتبره أنصار نظرية العقاب الالهي دليلا على ان الكارثة التي حلت بالمدينة هي عقاب من الله , فعندما اكتشفت المدينة و أخرجت اغلب مبانيها من تحت الرماد , ذهل العلماء و الباحثين لما رأوه مرسوما على جدران بعض الأبنية , لقد كان هناك عدد كبير من الصور الإباحية التي تصور العلاقة الجنسية بين الرجل و المرأة بشكل علني حتى ان من يراها يظن لوهلة انه ينظر الى صور من مجلة إباحية حديثة. شخصيا أتحرج من نشر هذه الصورو لكنها منتشرة على الانترنت لمن يريد البحث عنها , علما ان علماء التاريخ حاليا يقولون ان المباني المزينة بهذه الصور كانت بيوت دعارة و ان من يعمل بها كانوا من العبيد و اغلبهم من اليونان
ربما يكون البركان طهرها، لكن الحقيقة القائمة تحكي ان البركان قد جمد التاريخ عند لحظة الانفجار، تجمد البشر كل على صورته، على حركته، بصراخه، بذهوله، بألمه، بعاطفته، بل وربما بالتشبث في الحياة، التشبث بالأحباب.فهذه هى حكاية مدينة بومبى .

المصادر 
 -------------
1 - موسوعة ويكيبديا الحرة
2 - جريدة المشهد

الثلاثاء، 5 فبراير 2013

ما هى اسطورة مارى الدموية

خلال السنوات القليلة المنصرمة كتبنا العديد من قصص الأشباح، وغالبا ما كان القراء يتساءلون في نهاية كل قصة عن حقيقية وجود الأشباح، ثم يحتدم بينهم الجدل، ما بين مؤمن ورافض لوجودها، وما بين من يقول بأنها نوع من أنواع الجن أو القرين.
غير أن قصتنا لهذا اليوم تختلف عن جميع ما كتبناه ورويناه، فشبحنا لهذا اليوم متاح للجميع وسهل التحضير!، يمكن لأي شخص في العالم أن يتأكد من وجوده ويتواصل معه بسهولة .. نعم عزيزي القارئ .. أنت أيضا تستطيع تحضيره، فهو يعمل بدوام كامل على مدار الساعة ويلبي النداء أسرع من الهاتف النقال.
كل ما تحتاجه للتواصل مع هذا الشبح "العمومي" يتلخص في شمعة .. ومرآة من الحجم الكبير .. يفضل أن تكون مرآة حمام، لكن إذا كان حمامكم من دون مرآة كبيرة فلا بأس في استعمال أية مرآة في المنزل.
وإذا لم تكن تمتلك الشجاعة الكافية للقيام بالأمر لوحدك فلا بأس من القيام بذلك برفقة بعض أصدقاءك.


الأمر في غاية البساطة .. قف مباشرة أمام المرآة ثم أشعل الشمعة وضعها إلى جانبك. والآن قم بإطفاء جميع الأنوار .. حدق جيدا نحو صورتك المنعكسة في المرآة ثم ردد مع نفسك بصوت مسموع .. بلّادي ميري (Bloody mary) .. رددها بهدوء وثبات وبدون تعجل .. كرر الأمر ثلاثة عشر مرة .. وعند المرة الأخيرة أضف عبارة .. "لقد قمت بقتل طفلكِ".
طيب ماذا سيحدث الآن؟ ..
هناك احتمالين ..
الأول أنه لن يحدث أي شيء .. وهذا في الحقيقة هو أفضل ما يمكن أن يحدث.
ماري الدموية تعشق أقتلاع العيون
أما الاحتمال الثاني فهو ظهور الشبح فعلا داخل المرآة .. سترى في البداية ضبابا أخضر خفيف سرعان ما ينجلي عن وجه كالح شرير .. أنها ماري الدموية .. لقد لبت ندائك .. شبيك لبيك ..
عليك الآن أن تتمالك نفسك .. لا تدع الرعب يجمد أوصالك .. أهرب كالغزال .. قبل أن تمتد مخالبها الحادة نحوك لتقتلع عينيك من محجريهما بلمح البصر، أو قد تنحرك كالخروف ثم تمتص دمك حتى آخر قطرة، وفي أحسن الأحوال ستقوم بسحبك معها إلى داخل المرآة ولن يراك أحد بعهدها، ستبقى حبيسا معها إلى الأبد.
هل هذه حقيقة أم مجرد خرافة؟ .. لا ادري .. لماذا لا تجرب بنفسك وتخبرنا بالنتيجة.

من هي ماري الدموية؟

التواصل مع ماري واستدعائها أمر بسيط وسهل كما شرحنا أنفا، لكن على العكس من ذلك فأن معرفة هويتها الحقيقية هو أمر في غاية الصعوبة، فهناك العديد من القصص التي تدور حول المرأة الكامنة وراء شخصية ماري الدموية، والتي تعرف أيضا بأسم ماري روث، لكن في زحمة تلك القصص ضاعت الحقيقة و أندرس أثرها تماما. أقدم تلك القصص تعود بنا إلى الوراء عدة قرون، إلى ساحرة شمطاء تدعى ماري كانت تعيش بمفردها في كوخ صغير يقع داخل غابة كبيرة موحشة تمتد بالقرب من إحدى القرى الريفية الوادعة. كانت عجوزا طاعنة في السن تملئ التجاعيد وجهها وقد انحنى ظهرها وتقوس تحت وطأة السنين، لكنها كانت نشطة جدا قياسا بمظهرها العجوز، كانت تسير بسرعة وخفة عجيبة تحت ظلال الغابة الكثيفة وهي ترتدي ثوبا أسود طويل، ما كانت العين لتميزها بسهولة لولا عيناها الكبيرتان اللتان كانتا تبرقان خبثا ولؤما.
لا احد يعلم ماذا كانت تفعل في كوخها
لا أحد يعلم ماذا كانت الساحرة العجوز تفعل بمفردها داخل كوخها المنعزل، الناس ظنوا بأنها مشغولة في تحضير بعض الوصفات السحرية، فالروائح الغريبة كانت تنبعث عن كوخها باستمرار ولم تكن مدخنتها تتوقف أبدا عن نفث الدخان. وبالرغم من خوف القرويون منها إلا أنهم كانوا يقصدون كوخها من حين لآخر لمقايضة حبوبهم وحيواناتهم بالأعشاب والعقاقير التي كانت الساحرة تصنعها، وباستثناء تلك المرات القليلة فأن القرويون عموما كانوا يتجنبون المرور بكوخها. كانوا يخشون أن تصيبهم منها لعنة شريرة تدمر محاصيلهم وتقتل حيواناتهم وتؤدي إلى مرض أطفالهم. كانوا يفضلون أن تبقى الساحرة بعيدة عن قريتهم الجميلة المسالمة.
لكن هدوء وسلام القرية تعكر في أحد الأيام بعد اختفاء فتاة صغيرة من كوخ والديها، استيقظوا صباحا ولم يجدوها في فراشها، وباءت بالفشل جميع الجهود للعثور عليها. وليت الأمر انتهى عند هذا الحد، فخلال الأسابيع القليلة التالية اختفت فتيات أخريات بنفس الطرز الغامض. ومن شدة لهفة الأهالي على بناتهم تجرأ بعضهم على الذهاب إلى الغابة ودق باب كوخ الساحرة العجوز لسؤالها عن مصير الفتيات المفقودات. لكن الساحرة قالت بأنها لم تر أي من الفتيات وأنكرت أي علاقة لها باختفائهن.
وبالرغم من أن الأهالي كانوا يرتابون في الساحرة لكنهم لم يستطيعوا اتهامها من دون دليل، بيد أن شكوكهم زادت بعدما لاحظوا التغير المدهش الذي طرأ على شكل الساحرة وهيئتها، فقد أصبحت أكثر نضارة وشبابا عن ذي قبل كأن السنين قد عادت بها إلى الوراء.
مسلسل اختفاء الفتيات أستمر يقض مضاجع القرويين ويثير الرعب في نفوسهن إلى درجة أن بعض الإباء راحوا يقيدون بناتهم ليلا لئلا يختفين تحت جنح الظلام. وأستمر الحال على هذا المنوال حتى حلت تلك الليلة المرعبة التي انكشف فيها الغموض وتجلت فيها الحقيقة. حدث ذلك في إحدى الليالي المقمرة. جميع السكان كانوا يغطون في نوم عميق في تلك الليلة باستثناء زوجة احد القرويين التي منعها وجع أضراسها من النوم فجلست تحاول تسكين ألمها ببعض الأعشاب الطبية، وبينما هي في تلك الحال إذ شاهدت ابنتها الصغيرة وهي تنهض من فراشها فجأة ثم تمضي نحو باب الكوخ فتفتحه وتسير مبتعدة باتجاه الغابة المظلمة. الأم المرعوبة صرخت على ابنتها ونادتها عدة مرات، لكن الفتاة لم تلتفت إليها واستمرت بالسير نحو الغابة.
صراخ الأم أيقظ الأب والجيران الذين هرعوا جميعا لردع الفتاة عن المضي نحو الغابة. العجيب أنه بالرغم من صغر سن الفتاة وهزال جسدها إلا أن الرجال واجهوا صعوبة كبيرة في السيطرة عليها وإخضاعها، إذ بدت وكأنها تسير من دون وعي وإدراك، كأنها منومة أو مخدرة، شخص ما كان يسيطر على عقلها ويدفعها للسير في اتجاه واحد لا تحيد عنه.
في هذه الأثناء صرخ أحد القرويين فجأة وأشار بيده نحو الغابة، فألتفت الجميع نحو الجهة التي أشار إليها الرجل ليشاهدوا الساحرة العجوز وهي تقف بالقرب من جذع شجرة جوز ضخمة عند أطراف الغابة، كان جسدها محاطا بهالة خضراء عجيبة، وكانت تتمايل جيئة وذهابا وهي تردد تعاويذها السحرية وقد أمسكت بيدها عصا طويلة أشارت بطرفها نحو كوخ الفتاة الصغيرة التي كان القرويون يحاولون الإمساك بها.
القرويون صرخوا على الساحرة وطاردوها فهربت حين أحست باقترابهم منها، وما أن فرت الساحرة من مكانها حتى استعادت الفتاة الصغيرة وعيها كأنها استيقظت من النوم للتو. فأيقن القرويون بأن ما أصاب الفتاة كان بفعل الساحرة، وتأكدوا بأنها هي التي قامت بخطف بناتهم، وفي سورة غضبهم العارمة هجموا على كوخها المخيف في الغابة، في الداخل كانت هناك قدور كبيرة تغلي بمواد غريبة، وعلى الطاولات تناثرت أشلاء الكثير من الحيوانات .. قطط ..كلاب .. ضفادع .. وكانت هناك الكثير من الأواني الزجاجية المليئة بالسوائل الملونة وأوراق وجذور الأعشاب والنباتات البرية. أما القبو أسفل الكوخ فقد كان الأكثر رعبا، فجدرانه كانت مضرجة بالدماء وفي زواياه المظلمة تكومت بعض الجماجم والعظام بشرية، وتحت أرضيته الخشبية عثر القرويون على جثث فتياتهم المفقودات. تبين لهم بأن الساحرة قامت بقتلهن من أجل استخدام دمائهن في تحضير وصفات سحرية تعيد إليها حيويتها وشبابها.

الأهالي الغاضبين ألقوا القبض على الساحرة وحملوها معهم نحو القرية حيث شيدوا محرقة كبيرة قيدوا الساحرة إلى عمود طويل في وسطها وأشعلوا النار في الحطب. وما أن ارتفعت ألسنة اللهب حتى راحت الساحرة العجوز تتمتم بكلمات غير مفهومة ولاحظ القرويون ظهور أشباح سوداء مخيفة راحت تحوم وتزعق بجنون فوق رأس الساحرة التي استمرت في ترديد تعاويذها الغامضة حتى اقتربت النار منها وتعلقت بأذيالها، عندها نظرت الساحرة إلى القرويين بعيون يتطاير منها الشرر ثم ألقت عليهم لعنتها الأخيرة، وهي لعنة سوداء أطلق القرويون عليها أسم "انتقام الساحرة"، وبحسب تلك اللعنة فأن أية فتاة تجرؤ على ترديد أسم الساحرة أمام المرآة ستتعرض لعقاب مروع على يد روح شريرة سخرتها الساحرة من أجل الانتقام لمقتلها. ومنذ ذلك الحين ظهرت لعنة ماري الدموية إلى الوجود.
هذه القصة تعد من أشهر القصص التي تناولت الشخصية الأصلية لماري الدموية، وقد ساهمت كثيرا في شهرة الخرافة حين نشرتها كاتبة أمريكية ضمن مجموعة من القصص عام 1978، لكنها لم تكن الوحيدة، فهناك قصص أخرى .. أحداها تزعم بأن ماري كانت في واقع الأمر فتاة ارستقراطية حسناء تعيش في قصر كبير مع والديها الثريين والكثير من الحشم والخدم. كانت قاسية ومتعجرفة وشديدة الغرور بجمالها، تمضي الساعات الطوال وهي تقف أمام المرآة تتمعن في تناسق وروعة وجهها وقوامها.
لم تتحمل رؤية وجهها المشوه في المرآة
لكن تشاء الأقدار أن تتعرض ماري لحادث مروع يؤدي إلى تشوه وجهها المليح. ولشدة خوفهم وإشفاقهم عليها أخفى والديها جميع المرايا الموجودة في القصر لكي لا تستطيع ماري رؤية وجهها المشوه في المرآة فتصدم وتفقد رشدها. لكن ماري لم تستطع مقاومة إغراء النظر إلى وجهها طويلا، فتسللت في إحدى الليالي إلى حمام يقع في أحد أجنحة القصر المتروكة حيث كانت هناك مرآة كبيرة نسي أهلها أن يرفعوها، هناك شاهدت ماري ما أصاب وجهها الجميل من خراب ودمار، ولشدة حزنها وصدمتها فقد سقطت ميتة، ويقال بأن روحها الحزينة قفزت إلى داخل المرآة لتبحث عن صورتها القديمة الجميلة، ومنذ ذلك الحين أخذت تظهر في كل مرة يجرؤ شخص ما على نطق أسمها أمام المرآة، تظهر لكي تنتزع روحه وتسحبها معها إلى داخل المرآة.
هناك قصة ثالثة تزعم بأن الفتاة التي تحولت لاحقا إلى ماري الدموية كانت تعيش في بلدة جاكسون الأمريكية قبل أكثر من مئة عام، أسمها الحقيقي هو ماري روث. كانت فتاة جميلة وذكية تعثرت في أحد الأيام بينما كانت تهبط السلم مسرعة من غرفتها في الطابق العلوي فأصيب رأسها إصابة بالغة دخلت على أثرها في غيبوبة عميقة. ولأن الطب في ذلك الزمان لم يكن متطورا كما هو اليوم، ولم يكن لدى الأطباء الدراية الكافية التي تمكنهم من التفريق بين الموت والغيبوبة الطويلة (Coma ) ، لذلك أخطئوا في تشخيص حالة ماري وظنوا بأنها ميتة فقامت عائلتها بدفنها وهي حية.

وخلال الأيام التالية لدفنها أخذت ماري تظهر في أحلام أمها، تصرخ وتتوسل لكي يخرجوها من القبر. لكن أحدا لم يأخذ تلك الأحلام على محمل الجد وظن الجميع بأن الأم تهذي وتهلوس بسبب حزنها العميق على خسارة ابنتها. لكن تكرار الحلم في كل ليلة جعل الأم تصر على نبش قبر أبنتها للتأكد من حقيقة موتها، وتحت هذا الإصرار تم فتح القبر. وقد صدم الجميع لما شاهدوه في الداخل، كانت هناك شقوق وثقوب على سطح الغطاء الخشبي للتابوت، ومن تلك الثقوب ظهرت أصابع ماري الصغيرة وقد تخضبت بالدماء وتكسرت أظافرها. فالبنت المسكينة استعادت وعيها بعد أن دفنوها بفترة قصيرة لتجد نفسها حبيسة التابوت، فحاولت بكل قواها أن تكسر الغطاء الخشبي لكي تخرج لكنها لم تفلح في فتحه وظلت حبيسة القبر لعدة ليال حتى ماتت أخيرا من الرعب والعطش والجوع. ويقال بأن أي شخص ينادي بأسم تلك الفتاة أمام المرآة ما بين 3 إلى 100 مرة فأنها ستظهر لتنفث غضبها عليه، سيراها على شكل فتاة غاضبة وممزقة الثياب تنزل سلما عاليا وهي تمسك بسكينة كبيرة في يدها، ستنزل على مهل لتحز عنق الشخص الذي طلبها، والطريقة الوحيدة للنجاة منها هي بإطفاء الشموع بسرعة لكي يغرق المكان بالظلام فلا تتمكن الفتاة من رؤية ضحيتها.

تجارب واقعية

خلال بحثي عن مصادر لهذا المقال وقعت على العديد من القصص التي يزعم أصحابها بأنهم مروا بتجارب مروعة مع شبح ماري الدموية، فقررت أن أقدم لكم عينتين من تلك التجارب.
القصة الأولى هي لفتاة تدعى سوزي .. والتي تقول عن تجربتها ما يلي :


حين كنت في التاسعة من عمري ذهبت إلى حفلة عيد ميلاد لإحدى صديقاتي في المدرسة. كنا حوالي عشرة فتيات حضرنا إلى تلك الحفلة التي أقامها والدا صديقتي لأبنتهم. وبعد أن لعبنا وتناولنا الطعام صعدنا جميعا لرؤية حجرة صديقي. كانت الساعة قد قاربت العاشرة ليلا حين جلسنا جميعنا في حجرتها الجميلة ورحنا نقص على بعضنا قصص الأشباح والبيوت المسكونة، ثم اقترحت إحدى الفتيات أن نلعب لعبة ماري ورث، وهي فتاة ماتت منذ زمن بعيد ويقال بأن روحها بقيت حبيسة المرآة. وهكذا فقد قمنا بإطفاء جميع الأنوار في الحجرة ثم تجمعنا حول مرآة كبيرة ورحنا نردد معا : "ماري ورث .. ماري ورث .. أنا أؤمن بكِ يا ماري ورث".
رددنا هذه العبارة عدة مرات، وعند المرة السابعة أرتفع فجأة صراخ إحدى الفتيات التي كانت تقف في المقدمة، أخذت تصرخ وتبكي بشكل هستيري وتحاول دفعنا إلى الوراء، كان صراخها عاليا ومخيفا إلى درجة أن والدة صديقتي هرعت إلى الحجرة التي كنا فيها وأشعلت جميع الأنوار بسرعة. كنا جميعا نرتجف من الخوف، وعلى الأرض أمام المرآة مباشرة تكومت الفتاة التي كانت تصرخ، سألتها والدة صديقتي عن سبب صراخها، لكن الفتاة لم تجب وظلت ممددة على الأرض من دون حراك، فرفعتها والدة صديقتي عن الأرض لترى ما بها، وما أن فعلت ذلك حتى صرخنا جميعنا من الرعب، كان الدم يغطي وجهها، وكانت هناك جروح غائرة على جبهتها ووجنتيها ورقبتها، كأن أحدا ما حاول تمزيق وجهها بأظافره .. كان ذلك منظرا مرعبا لن أنساه ما حييت.
القصة الثانية يرويها رجل في الأربعين من عمره يدعى مارك .. يقول :
قبل سنوات طويلة، حين كنت مراهقا في الثالثة أو الرابعة عشر من عمري، كان لدي صديق في مثل سني يدعى جو، كان منزلهم يقع قبالة منزلنا تماما، كنا صديقين مقربين نلازم بعضنا طوال اليوم ولا نفترق إلا من أجل النوم أو الذهاب إلى المدرسة. وفي إحدى الليالي حدثني جو عن خرافة سمعها من زملائه في المدرسة عن شبح امرأة تظهر في المرآة، قال بأنها تدعى ماري الدموية. وكما هو الحال مع معظم المراهقين فقد تباهينا أنا وجو كذبا بعدم الخوف من ماري الدموية، حتى أن جو قال ضاحكا بأنه سيبصق عليها لو ظهرت في مرآته. ثم أقترح علي أن نذهب إلى منزلهم لنقوم بتحضير شبحها في حمامهم الذي توجد فيه مرآة كبيرة.
وبالرغم من إدعائي الشجاعة أمام جو، إلا أني بصراحة كنت أرتعد خوفا من الداخل، فحاولت التملص من دعوته متحججا بأن الأشباح لا تظهر أمام أكثر من شخص واحد، واقترحت عليه أن يقوم كل منا بتحضيرها بمفرده. وهكذا تعاهدنا تلك الليلة على أن يقوم كل منا بتحضير الشبح على حدة في حمام منزله.
ولا أخفيكم سرا بأني شعرت برعب شديد منعني من القيام بما عاهدت صديقي جو عليه، بل لم أجرؤ على دخول الحمام أصلا في تلك الليلة من شدة خوفي، وبقيت أتقلب على فراشي حتى ساعة متأخرة من الليل، كلما أغمضت عيني كنت أتخيل ماري الدموية وهي تقف بجوار سريري تحمل بيدها سكينا كبيرا تحاول ذبحي بواسطته، فكنت أنتفض مذعورا وأنا أرتجف.

وبينما أنا أكابد ما أكابده من الرعب والهلع في حجرتي الصغيرة، إذا بصرخة مدوية تمزق سكون الليل، كان الصوت قادما من منزل صديقي جو فنزلت لأرى ما يحدث. كان أبي وأمي وأخوتي والكثير من الجيران قد سبقوني إلى الشارع، كانوا يقفون في فناء منزل جو، تعجبت لرؤية والدتي تبكي مع بعض النسوة، فيما راح الرجال يهزون رؤوسهم أسفا. وحين سألت أحد المجتمعين عن ما يجري أجابني بنبرة حزينة : لقد مات جو.
كان ذلك أفظع رد سمعته في حياتي، لازال يدوي في أذني إلى اليوم، لكنه لم يكن سوى مقدمة للرعب الحقيقي الذي سأسمعه لاحقا. فقد علمت بأن جو عاد إلى منزله بعد أن افترقنا تلك الليلة فأخذ شمعة وتوجه بها إلى الحمام عند حوالي منتصف الليل، وبعد فترة قصيرة سمع أهله صراخه وهو يطلب المساعدة من داخل الحمام، لكنهم لم يستطيعوا الوصول إليه لأن باب الحمام كان مقفلا من الداخل، وبعد عدة محاولات تمكن أبوه من كسر باب الحمام، في الداخل كان جو ممددا على الأرض بلا حراك، كان مذبوحا من الوريد إلى الوريد ودماءه تغطي أرضية الحمام، أما رأسه المقطوع فكان يقبع في المغسلة تحت مرآة الحمام مباشرة، والى جواره كانت هناك شمعة ما تزال مشتعلة.
موت جو ظل لغزا محيرا بالنسبة للجميع، الشرطة قيدت القضية ضد مجهول، أما الناس فقد ظنوا بأنه انتحر، لكن أنا وحدي كنت أعرف حقيقة ما جرى في تلك الليلة المشئومة، وهو سر ما زال يؤرقني ويقض مضجعي بعد كل تلك السنين.

ماري الدموية تاريخيا

ماري الأولى .. الدموية .. ملكة انجلترا
بعيدا عن الخرافات والأساطير يخبرنا التاريخ بأن المرأة الوحيدة التي عرفت واشتهرت بأسم "ماري الدموية" Bloody Maryهي ماري تيودور ابنة الملك هنري الثامن وزوجته الأولى كاترين الأرجوانية. ولدت عام 1514 واعتلت العرش عام 1553 تحت أسم الملكة ماري الأولى (Mary I of England ) وذلك بعد موت شقيقها الأصغر الملك ادوارد السادس.
حياة الملكة ماري لم تكن سعيدة، فقد عانت كثيرا في طفولتها وشبابها. عانت وهي ترى سعي والدها الحثيث لإبطال زواجه من أمها، وعانت لرؤية أمها وهي تصارع بكل ما أوتيت من قوة للحفاظ على كرامتها كملكة قبل أن يتم إرسالها إلى قلعة كمبلتون الموحشة لتموت هناك وحيدة بينما كان زوجها الملك هنري يحتفل بزواجه من عشيقته آن بولين.
ماري عانت لسنوات طويلة من جفاء والدها الملك الذي حرمها من وراثة العرش، وعانت أيضا بسبب إيمانها الكاثوليكي الذي أصبح بين ليلة وضحاها مذموما منبوذا من قبل الملك والبلاط والدولة، وعانت أكثر في الحفاظ على إيمانها بالرغم من كل الضغوطات التي مورست عليها من قبل والدها وشقيقها لحملها على التحول إلى البروتستانتية.
حتى في زواجها لم تكن ماري سعيدة، أحبت زوجها الملك فيليب الأسباني بكل جوارحها فيما لم يكن هو سوى طامع في عرشها، وتلهفت لإنجاب وريث للعرش منه إلى درجة أنها تحولت إلى مثار سخرية وتندر الناس بعد أن انتفخت بطنها عدة مرات ثم تبين لاحقا بأنه مجرد حمل كاذب. وأخيرا عانت على فراش الموت وهي ترى عرشها يذهب رغما عن أنفها إلى أختها الغير شقيقة إليزابيث البروتستانتية التي عرفت لاحقا بأسم الملكة إليزابيث الأولى وكانت واحدة من أعظم الذين اعتلوا العرش الانجليزي.
هذه هي حياة ماري الأولى ملكة انجلترا ... من قال أن حياة الملوك سعيدة؟!.
ماري الأولى .. ملكة اسكتلندا
لكن الملكة ماري الأولى لم تكن ملاكا بالرغم من معاناتها والظلم الذي وقع عليها، فقد تسببت هي أيضا بمعاناة وموت الكثير من الناس بسبب تعصبها الديني وسعيها المحموم لإعادة شعبها إلى جادة الكاثوليكية وطاعة بابا روما، فنصبت المحارق والمشانق للبروتستانت في أرجاء البلاد، سجنت وعذبت وشنقت وأحرقت المئات منهم خلال عهدها القصير الذي أمتد لخمسة أعوام فقط، لم يسلم منها حتى النبلاء ورجال الدين، ولهذا أطلق الناس عليها أسم ماري الدموية. ولهذا السبب أيضا يحاول البعض أن يربطوا بينها وبين خرافة ماري الدموية.
الجدير بالذكر أنه هناك ملكة أخرى تدعى ماري حاول الناس ربطها بالخرافة أيضا، وهي ماري ستيوارت التي تعرف بأسم ماري الأولى ملكة الاسكتلنديين (Mary, Queen of Scots )، والتي اعتلت العرش الاسكتلندي لفترة قصيرة خلال القرن السادس عشر، ولم تكن تقل تعاسة عن قريبتها ماري الانجليزية، وانتهت حياتها بحد السيف في عام 1587 في عهد الملكة إليزابيث الأولى.
 وتتحدث رواية "بيت الأشباح" للدكتور أحمد خالد توفيق عن تلك الأسطورة ، حيث نورد نصاً من الرواية : " تعترف الفتاة لرفعت أنها مارست تلك اللعبة و إن غيرت بعضًا من تفاصيلها حيث وقفت بشمعة و مرآة يد صغيرة أسفل سلالم الفيلا فى الظلام مولية لها ظهرها، و أخذت تصعد السلالم بهذه الطريقة التى قد تنتهى بسقطة تتكسر معها العظام.. و الهدف من هذه اللعبة أن ترى وجه عريس المستقبل فى لحظة بعينها عبر المرآة.. و كان ما رأته بالفعل هو وجه.. لكنه من المستحيل أن يكون عريس المستقبل بذلك الوجه المنتفخ المشوه الملىء بالبقع الزرقاء و الخضراء.. و كانت تلك هى البداية.. حيث تكررت رؤية هذا الوجه، و بدأت الأشياء و الأغراض تتحرك فى غرفتها، ناهيك عن صوت الطرقات التى تعلو فى غرفتها..".

أصل الخرافة  .. سحر المرايا

بحسب الباحثين والمختصين بالتراث والفلكلور فأن خرافة ماري الدموية هي من الخرافات الحديثة التي لم تظهر إلى الوجود إلا خلال العقود القليلة المتأخرة، ربما في ستينات القرن المنصرم، وبلغت ذروة شعبيتها خلال السبعينات، أما قبل ذلك فلا يوجد أي ذكر للخرافة، ولا يوجد أيضا ما يؤكد حقيقة القصص التي تربط ما بين نشأة الخرافة وبين ساحرة تدعى ماري أو فتاة تدعى ماري روث، وليس هناك صلة واضحة بين الخرافة وماري الأولى ملكة انجلترا. غير أن حداثة الخرافة لا تعني عدم ارتباطها بأحداث وقصص وخرافات موغلة في القدم تتشابه في بعض جزئياتها مع خرافة ماري الدموية. فلنأخذ مثلا سيرة حياة الكونتيسة إليزابيث باثوري (Elizabeth Bathory ) تلك الأرستقراطية الحسناء التي كانت تقضي ساعات طويلة كل يوم أمام مرآتها تحدق بزهو وخيلاء إلى جمال وروعة صورتها. ثم فجأة تحول ذلك الجلوس أمام المرآة إلى كابوس مزعج حين جاوزت سن الأربعين، أفزعها حقيقة تقدمها في العمر، وأرعبتها التجاعيد التي بدأت تغزو وجهها الجميل. ومن أجل التغلب على تلك التجاعيد والخطوط اللعينة بدأت الكونتيسة المجنونة باستدراج الفتيات الشابات إلى قلعتها لكي تقتلهن وتستحم بدمائهن. فقد آمنت بأن الدم سيعيد إليها شبابها وأجهزت في سبيل ذلك على أكثر من ستمائة فتاة. ويقال بأن روح الكونتيسة ظلت حبيسة المرآة بعد موتها، واستمرت في قتل الفتيات والاستحمام بدمائهن، لكن هذه المرة تحت أسم ماري الدموية.
المرآة الباكية .. تبحث عن ارواح اطفالها ..
في الفلكلور المكسيكي نجد خرافة النائحة أو المرأة الباكية (La Llorona ) التي تروي قصة امرأة متزوجة أسمها ماريا أقدمت على قتل أطفالها الصغار عن طريق إغراقهم في النهر وذلك من أجل أن تفر مع عشيقها، لكن عشيقها هجرها بعد أن أشمئز من فعلتها الحقيرة. مما دفع ماريا إلى الانتحار. وبحسب الأسطورة فأن روح ماريا منعت من دخول ملكوت السماء ما لم تجلب معها أرواح أطفالها الذين قتلتهم، ومنذ ذلك الحين أخذت روحها الشقية تدور في أرجاء الأرض بحثا عن أطفالها وهي تبكي وتولول قائلة : "أوووه .. أطفالي!". ويقال بأنها لا تتورع عن خطف أرواح الأطفال المشردين وأولئك الذين لا يطيعون والديهم خلال تجوالها بحثا عن أطفالها، وبأن الذين يسمعون صوتها ونحيبها يموتون بعد فترة قصيرة. ويرى بعض الباحثين بأن ماريا هي نفسها ماري الدموية، وبأن إضافة عبارات من قبيل "أن أطفالك معي" أو "لقد قمت بقتل أطفالك" إلى طقوس تحضير شبح ماري الدموية تهدف إلى تحفيز شبح ماريا على الظهور في المرآة.
يمكننا أيضا تعقب آثار خرافة ماري الدموية في الأدب الأوربي، فنذكر على سبيل المثال المرآة السحرية التي استعملتها زوجة الأب الشريرة في قصة بياض الثلج والأقزام السبعة، وهي قصة قديمة من التراث الألماني. ونذكر أيضا المرآة في رواية "دراكولا" للكاتب برام ستوكر، فالبطل لم يكتشف حقيقة الكونت إلا بعد أن وقف معه أمام المرآة فعجز عن رؤية انعكاس صورته فيها بالرغم من أنه يقف إلى جواره. لأن صورة مصاص الدماء لا تظهر في المرآة، فهو في النهاية شخص ميت، ولهذا تعجز المرآة عن رؤيته.
سترين وجه زوجك المستقبلي في المرآة!
في الفلكلور والمعتقدات الشعبية هناك خرافة أوربية يمكن أن نعتبرها الأقرب إلى خرافة ماري الدموية، وقد راجت تلك الخرافة وانتشرت بين الفتيات في القرن الثامن عشر، وبحسب تلك الخرافة فأن الفتيات العازبات يمكنهن إلقاء نظرة خاطفة وسريعة على ما ستكون عليه صورة أزواجهن المستقبليين عن طريق المرآة. أما طريقة عمل الخرافة فقد لخصها الشاعر روبرت بورنز في قصيدة تعود إلى عام 1787 كالآتي :
"خذي شمعة وأمضي وقفي لوحدكِ أمام مرآة، تناولي تفاحة قبل ذلك، ومن الأفضل أن تجمعي شعركِ إلى الأعلى؛ قفي هناك وسترين وجه الرجل الذي سيكون زوجكِ، سترينه في المرآة يختلس النظر إليك من وراء كتفكِ".
هناك نسخة أخرى لهذه الخرافة تقول بأن الفتاة الراغبة في رؤية وجه زوجها المستقبلي عليها أن تهبط السلم بصورة معكوسة، أي وجهها للخلف وقفاها للأمام، وعليها أن تحمل بيدها مرآة يدوية تنظر فيها أثناء هبوطها للسلم لكي ترى وجه زوجها المستقبلي وهو ينظر إليها من وراء كتفها.
طبعا أنا لا أعلم إن كانت هذه الطريقة تعمل فعلا أم لا، يمكنكِ أن تجربيها عزيزتي القارئة لتخبرينا بالنتيجة لاحقا، فهي طريقة سهلة ولا تكلفكِ سوى تفاحة!. وأمثال هذه الخرافات عن المرايا منتشرة في كل مكان، حتى في عالمنا العربي.
مرايا السحرة .. تكون سوداء اللون ..
.. ربما نضحك عليها للوهلة الأولى من دون أن ندرك بأن للناس في المرايا عقائد وخرافات غريبة ومتنوعة تعود في جذورها إلى أقدم العصور. وما زالت المرايا تستعمل حتى يومنا هذا من قبل المنجمين والعرافين للتنبؤ بالمستقبل وكشف المستور. لكن العرافين لا يستعملون كل أنواع المرايا وإنما يفضلون نوع خاص يطلق عليه أسم المرآة السوداء، وتعرف أيضا بمرآة العرافين (Black scrying mirror )، وهي أداة سحرية محببة لدى معظم السحرة والساحرات، سواء المحترفين أو المبتدأين، يفضلونها أحيانا حتى على كرات الكريستال الشهيرة، ربما لرخص ثمنها وتوفرها في المتاجر وعلى الانترنت. وإضافة إلى كشف الغيب تستعمل هذه المرايا في تحضير الأشباح والجن والتواصل معهم.
من العقائد الغريبة الأخرى عن المرآة هي تلك التي تتحدث عن قدرتها المزعومة في احتجاز أرواح البشر، ولهذا السبب كان الناس في أمريكا وأجزاء من القارة الأوربية يقومون بتغطية جميع المرايا في المنزل عند موت أحد أفراد العائلة، أو عند وجود جثة داخل المنزل. كان لديهم اعتقاد راسخ بضرورة عدم انعكاس صورة الميت في المرآة لكي لا تحتجز روحه داخلها، كما أمنوا بأن الحي يجب أن لا يرى انعكاس صورة الميت في المرآة لأن ذلك يجلب النحس. كان هذا الأيمان راسخا إلى درجة أن بعض الناس كانوا يغطون المرآة حتى أثناء نومهم، كانوا يعتقدون بأن الروح تغادر الجسد خلال النوم، وبأن المرآة يمكن أن تحتجز روح النائم وتمنعها من العودة إلى الجسد مما يتسبب بموته.
المعتقدات الغريبة حول المرآة لا تنتهي عند هذا الحد، فهناك معتقد قديم آخر في أن كسر المرآة يسبب النحس ويجلب الشر، وبأن الشخص الذي يكسر المرآة سيعاني من سوء الحظ لمدة سبعة أعوام. وتكون الطريقة الوحيدة للتخلص من ذلك النحس هي بلملمة جميع أجزاء المرآة المكسورة ودفنها تحت الأرض. أما طول النظر في المرآة فهو مكروه لدى بعض الناس لأنه على حد زعمهم يمكن أن يسبب الحسد، فالمثل الدارج يقول "ما يحسد المال إلا أصحابه"، وعليه فأن الولع والإعجاب والغرور الزائد عن الحد بانعكاس الصورة في المرآة يمكن أن يتسبب بالمرض والموت!. المؤرخ أبن الجوزي يورد لنا في ذلك قصصا غريبة، فيحدثنا في منتظمه عن أشخاص ماتوا لأنهم أعجبوا بصورهم في المرآة، كالخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك بن مروان الذي :" لبس يوما حلة وعمامة خضراء، ونظر في المرآة، فقال : أنا الملك الشاب، فما عاش بعد ذلك إلا أسبوعا"!. وأتفق مثل ذلك مع الخليفة العباسي أبو العباس السفاح الذي نظر في المرآة يوما وكان من أجمل الناس وجها فقال : "اللهم إني لا أقول كما قال سليمان بن عبد الملك: أنا الملك الشاب، ولكني أقول : اللهم عمرني طويلاً في طاعتك ممتعاً بالعافية. فما استتم كلامه حتى سمع غلاماً يقول لغلام آخر: الأجل بيني وبينك شهران وخمسة أيام، فتطير من كلامه، وقال: حسبي الله، لا قوة إلا بالله، عليه توكلت، وبه أستعين فما مضت إلا أيام حتى أخذته الحمى، فجعل يوم يتصل إلى يوم حتى مات بعد شهرين وخمسة أيام".
نارسيس المسكين .. عشق نفسه ..
طول النظر في المرآة قد يورث الجنون أيضا، خصوصا عندما يتحول إلى إدمان، وقد يقود في حالات معينة إلى نشوء نوع من الهوس والمرض النفسي من قبيل اضطراب التشوه الجسمي (Body dysmorphic disorder ) والوسواس القهري (Obsessive–compulsive disorder ). ولعل قصة نارسيس الإغريقي الذي شاهد انعكاس صورته على وجه الماء فعشق نفسه إلى حد الموت هي أقدم مثال على ذلك الهوس الجنوني بالمظهر والصورة والنفس عموما، ومنه أشتق مصطلح النرجسية (Narcissism )، أي حب الذات. المفارقة أنه يوجد نوع آخر من الاضطراب النفسي معاكس ومغاير تماما، وهو يدعى الخوف من المرآة (Spectrophobia ) ، حيث يرتعب الأشخاص المصابين بهذا المرض من انعكاس صورتهم في المرآة، ولهذا يتجنبون المرايا إلى أقصى الحدود. وهذه الآفة النفسية قد تكون نتيجة لتجربة شخصية سيئة مع المرآة، كأن يكون المريض مولعا بمشاهدة أفلام رعب، أو يكون قد شاهد كابوسا مرعبا فيه مرآة، أو أن يظن بأنه شاهد شبحا أو شيئا مخيفا في المرآة.
أخيرا فأن الخرافات المتعلقة بالمرآة لا تقتصر على البشر، فحتى الآلهة مولعة بالمرايا. فالمرآة كانت رفيقة محببة للربة افروديت، ربة الجمال والجنس والخصوبة لدى الإغريق. أما الربة الرومانية فينوس فكانت لا تفارق مرآتها اليدوية التي كانت ترى بواسطتها كل شيء، وقد تحولت تلك المرآة لاحقا إلى رمز (Venus symbol ) لكل ما يختص بالأنوثة، رمز نراه في الكثير من المواقع والمنتديات النسائية من دون أن ندرك أصله وكنهه.

ماري الدموية والسينما

أفلام عن ماري الدموية ..
هوليوود تناولت خرافة ماري الدموية في العديد من أفلام الرعب، لكن معظم تلك الأفلام للأسف لم ترقى أبدا إلى مستوى نجاح الخرافة، حيث كانت في معظمها أفلاما تجارية فاشلة ركزت على تقديم الرعب الرخيص والخلاعة. وأشهر تلك الأفلام هي :
- Urban Legends: Bloody Mary / 2005
- Bloody Mary / 2006
- Dead Mary / 2007
- The Legend of Bloody Mary / 2008



المصادر:
..................

1- Bloody Mary (folklore)
2- Bloody Mary .. The Urban Legend
3- Scary stories .. Bloody Mary
4- Bloody Mary
5- Bloody Mary Stories Submitted by Readers
6- Queen "Bloody" Mary I Tudor of England
7- La Llorona .. The Weeping Woman
8- Black Mirrors - Spells and Magic
9- Spirit Reflections - Ghosts and Haunted Mirrors
10- Narcissus (mythology)
11- Ten of the best mirrors in literature
12- Mirror, Mirror...
13- Venus symbol
14- منتديات عربية سحرية .. محبة بالمرايا
15- وصفة المرايا .. جلب الحبيب بالسحر العجيب


16 -